مرحلة جديدة للرأسماليةأم دورة تجميللرأسمالية مترهلة؟
د.سمير أمين
(1) إن الرأسمالية نظام ذو تحولات مستمرة وسريعة نسبيا بالمقارنة مع الأنظمةالسابقة التي كانت تبدو مستقرة، بالتالي فمن الضروري معاينة كل المستجدات علىساحتها بهدف تحليلها والتصدي لها بفعالية. لكن بالرغم من جدية هذه التحولات إلاأنها تظل حبيسة المنطق الخاص بالرأسمالية، ويجب التذكير بهذه الحقيقة.
فالخطاب الإيديولوجي للرأسمالية الخيالية Le Capitalisme imaginaire يعزوللاختراعات التكنولوجية التقدم والرقى، ويكلف تنافسات رأس المال على مستوى الأسواقبترجمة ذلك على أرض الواقع. فتستفيد من هذا التقدم مختلف الطبقات الاجتماعية مكرسةبذلك الديمقراطية والسلم، كما أن تعميم ونشر هذا النظام يعود بالفائدة علي لكافةالشعوب التي ستتمتع بالفوز النهائي للعقلانية ("نهاية التاريخ"). ويضيف الخطابالرأسمالي أنه ليس هناك من بديل (معقول) ويجب إخضاع كل جوانب الحياة الاجتماعيةلمتطلبات المنطق الأحادي لرأس المال.
لكن تاريخ الرأسمالية القائمة بالفعل Le Capitalisme reellement existant يكذبهذه الصورة التي لا ترتكز على أي أساس علمي. إنه تاريخ صراع مستمر بين منطق التراكمالرأسمالي ومنطق المصالح الاجتماعية والوطنية المتناقضة معه. وفى نفس الوقت فهويبين لنا مدى ارتباط البعد الهدّام لمنطق الرأسمالية الأحادي بالبعد الخلاقوالإبداعي للمنطق نفسه. (انظر الأبعاد الهدامة للتراكم الرأسمالي). فالمجتمعاتالحقيقية تواجه باستمرار العديد من البدائل ويُفرض عليها الخيار فيما بينها، ويحددتوازن القوى فى كل مرحلة النمط الذي يجرى اختياره.
وهى الآن بصدد مواجهة جديدة تتطلب منها إعادة النظر في النظام القائم وتصورنظام آخر قادر على تحريرها من الدمار والخراب الذي يؤدى إليه توسع الرأسمالية فيالأوضاع الحالية، فيجب وضع هذا الجديد الناتج من تطور الحقبة المذكورة في الإطارالتحليلي النقدي المناسب.
(2) لقد تكون العالم الحديث حول نظام جديد، حددته الرأسمالية ابتداءً من العام 1500- وخلال الفترة المركانتيلية التي دامت ثلاثة قرون 1500-1800. أخذت أوروباالأطلنطية مبادرة وضع نظام جديد عَوّض التحكم في الطرق البرية (المعروفة بطرقالحرير) بإنشاء طرق الملاحة عبر المحيط. هكذا تم تأسيس قاعدة النظام الرأسماليللقرن العشرين، ووَلّد هذا النظام ظاهرة جديدة لم يحدث للتاريخ أن عرفها من قبل ألاوهى ظاهرة الاستقطاب على المستوى العالمي. (انظر الاستقطاب) وتصاعدت الفجوةالإنمائية بين المراكز المصنعة والتخوم غير المصنعة بقدر لم يسبق له مثيل.
لقد تميز القرن العشرون بثورته ضد النظام الاقتصادي القائم. فهاجمته هذه الثورةعلى صعيدين: الأول متعلق بجوهرعلاقات الرأسمالية التي يرتكز عليها والتي ناهضتهاالثورات الاشتراكية، والثاني متعلق بالاستقطاب الناتج عنه والذي حاربته الحركاتالتحررية الوطنية في آسيا وأفريقيا. وتتالت خلال هذا العصر أنظمة رأسماليةمختلفة.
شهدت نهاية القرن التاسع عشر. منذ 1880 حتى 1945 تكوين رأسمالية الاحتكارات. وبإمكاننا الحديث هنا عن "ليبرالية قومية للاحتكارات". ومفهوم الليبرالية هنا يعنىإثباتاً مزدوجاً للدور الهام الذي تلعبه الأسواق الاحتكارية (الأوليغوبوليستية marches oligopolistiques في إدارة وتنظيم الاقتصاد ضمن إطار سياسات الدولة من جهةوفى ممارسة الديمقراطية السياسية البرجوازية من جهة ثانية.
إن القومية Le nationalisme تقوم بتعديلات في النموذج الليبرالي وتمنح الشرعيةلسياسات الدولة التي تساند التنافس في النظام العالمي. وتتمفصل هذه الأخيرة حولتكتلات محلية مهيمنة تعزز قدرات احتكارات رؤوس الأموال بإقامتها تحالفات مع الطبقاتالوسطى و/ أو الأرستقراطية عازلة بذلك الطبقة العاملة الصناعية. (ذات الميول "الاشتراكية")
ومع انفجار الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 ظهرت أول أزمة للنظام الليبراليالقومي للاحتكارات. مبرهنة على فشل هذا النظام في خلق ظروف "عولمة سلمية".
ولكن بالرغم من ذلك تمكنت الأنظمة الرأسمالية المهيمنة من فرض وصفاتهاالليبرالية. مما أدّى إلى الانحراف الفاشي والتخلي عن الجانب السياسي والديمقراطيللنظام. لكنه لم يتخل عن القومية (بل على العكس زاد من حدتها) ولا عن التحالفاتالاجتماعية الداخلية التي تعزز من قدرات الاحتكارات. فالنظام الفاشي جزء لا يتجزأمن النظام المهيمن الوحيد الذي يميز هذه الحقبة من تاريخ الرأسمالية، حتى وإن كانمن أقبح وجوهها.
ابتداءً من 1945 , وحتى 1980 يظهر على الساحة العالمية نظام رأسمالي جديد يعوضالليبرالية القومية، فقد استطاعت الحرب العالمية الثانية وبفضل هزيمة الفاشية أنتغير من موازين القوى لصالح الطبقات العمالية في الغرب المتطور (تمكنت هذه الطبقاتمن اكتساب شرعية ووضعية اجتماعية لم تعرفها من قبل) وتحررت الشعوب من الاستعماروتجلت الاشتراكية في الاشتراكية القائمة بالفعل (أي النمط السوفيتي). كانت العلاقاتالجديدة هذه وراء الأنماط الثلاثة التالية: دولة الرفاهية، والدولة التنموية فيالعالم الثالث، والدولة الاشتراكية المخططة. وتميز النظام الاقتصادي لتلك الفترة 1945-1980 بالقومية والاجتماعية وبالسير ضمن عولمة مقننة (régulé) هي الأخرى.
وكانت السياسات المتخذة آنذاك اجتماعية وقومية متجاوبة مع أهداف الساعة. وتُرجمالتضامن باستقرار ملحوظ في توزيع الدخل، وفى التوظيف الكامل، وفى زيادة النفقاتالاجتماعية. وصُممت هذه السياسة على المستوى القومي بتدخل مستمر للدولة.
لم تكن هناك مبالغة في وطنية النموذج إذ كان يندرج ضمن جو عام من الأقلمة (بناءالتجمع الأوروبي) وسياسة الانفتاح العالمية (خطة مارشال، انتشار الشركات المتعديةالجنسيات، الـالأونكتاد، إل جان … إلخ) المقبول بها وفى نفس الوقت المتحكمفيها.
فالتناظر في الأهداف الأساسية بين دولة الرفاهية من جهة وأهداف التحديث فيبلدان العالم الثالث بعد تحررها (مشروع باندونغ في آسيا وأفريقيا بالتوازي مع إل desarollismo . بأمريكا اللاتينية) من جهة أخرى يسمح لنا بوصف هذا النظام بوصفهمهيمناً عالميا باستثناء المنطقة السوفيتية. وكان على بلدان العالم الثالث "اللحاق" بالركب بدخولها بفعالية وانضباط في النظام العالمي المنتشر.
أما النظام الاقتصادي والسياسي البديل الذي وضع عام 1917 المعروف بالاشتراكيةالقائمة بالفعل Le socialisme reellement existant فقد نصب لنفسه هدفين: الأول هواللحاق وإلغاء التأخر، والثاني "إنشاء البديل" بالتخطيط المركزي المنفصل عن النظامالعالمي. غير أنه انحرف لكونه ابتعد عن التسيير الديمقراطي في بناء الاشتراكية مماأدى إلى انهياره (حالة أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي سابقا وانزلاق الصين نحوالرأسمالية).
وأدى فشل النظام السوفييتي، وكذلك والشعوبية القومية في العالم الثالث برأسالمال السائد إلى إعادة بناء نظام جديد سمى بالليبرالية المعولمة الجديدة.
لكن في الواقع هناك تناقض صارخ بين الخيارات الاجتماعية المعلنة في الخطابالنيوليبرالى المعولم والذي يطرح نفسه بوصفه نظاماً جديداً، وبين الممارساتوالتطبيقات على أرض الواقع التي يمارسها هذا النظام.
فالعولمة في واقع أمرها ملتبسة: إذ يخفى الخطاب السائد والمتستر خلف مزاياالمنافسة التي تتغنى بها، ممارساته الهادفة إلى الحفاظ على مصالح الاحتكارات. فينفس الوقت فهو يرفع شعار حماية البيئة بيد أنه يفضل الأرباح القصيرة المدى عنالسياسات الاقتصادية طويلة المدى. أخيرا وبالرغم من إعلانها عن مبادئ مضادة لنهوضالقوميات فغالبا ما تتصرف القوى العظمى وخاصة الولايات المتحدة مظهرة ومتباهيةبعضلاتها في شتى الميادين العسكرية والاقتصادية.
إن جميع نماذج النظام الرأسمالي ارتكزت على نظرة إمبريالية للعالم بالتوافق معانتشار الرأسمالية التي تحمل في طياتها عدم التكافؤ والاستقطاب على المستوىالعالمي.
في مرحلتها الليبرالية القومية للاحتكارات 1880-1945 تميزت الإمبرياليةبالصراعات ما بين مختلف القوى الإمبريالية، أما المرحلة الاجتماعية القومية لما بعدالحرب 1945- 1980 فقد تم خلالها تلاؤم استراتيجيات الإمبرياليات القومية تحت قيادةوهيمنة الولايات المتحدة من جهة ومن جهة أخرى اضطرت الإمبريالية إلى التراجعوالانسحاب من مناطق الاشتراكية (الاتحاد السوفييتي، وأوروبا الشرقية، والصين) كماأنها فاوضت علي وجودها لدى حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لكن بانهيار الاشتراكية "القائمة بالفعل"، والنظم الشعبوية الراديكالية فيالعالم الثالث، استرجعت الإمبريالية قواها وهجماتها من جديد. فالعولمة التي يُعبرعنها بكل وقاحة في الإيديولوجية الحالية ما هي إلا الشكل الجديد للنظام الرأسماليالحالي.
من هذا المنظور بإمكاننا القول إن مصطلح العولمة مرادف لمصطلح الإمبريالية (انظر العولمة والإمبريالية).
(3) إن الجو الذي شهد نهاية القرن العشرين يشبه كثيرا الجو الذي بدأ به. "والفترة الجميلة" La belle epoque كانت بالفعل جميلة لرأس المال. وبرجوازياتالثالوث (أوروبا، الولايات المتحدة، اليابان) أصبحت تنعم بفوزها وانتصارها. ولم يعدينظر إلى الطبقات العاملة في بلدان المركز وكأنها الطبقات الخطيرة كما كانت عليهخلال القرن التاسع عشر. وأما بقية شعوب العالم فما عليها إلا أن تنتظر "التحضير" الذي يأتي به الغربيون.
فوز بلدان المراكز الرأسمالية المعولمة أدى إلى انفجار ديمغرافى نقل نسبةالسكان ذوى الأصل الأوروبي من 23% في العام 1800 إلى 36% في العام 1900 من مجموعسكان الأرض.
إن تركز الثورة الصناعية في بلدان الثالوث أنتج استقطابا في الثروات وصل إلىمستويات لم تعرفها الإنسانية طوال تاريخها.
فالعولمة الأولى لم تؤد إلى تسارع في التراكم بل عكس ذلك تماما فهي أدت إلىأزمة بنيوية من 1873 إلى 1896 كالتي عرفناها بعد قرن من هذا التاريخ. مع أن هذهالأزمة اصطحبتها ثورة صناعية جديدة (الكهرباء والبترول والسيارة والطائرة) وكانمتوقعاً لها أن تحول الجنس البشرى كما يقال اليوم عن الثورة الالكترونية. بالموازاةتشكلت الأوليغوبولية oligopoles الأولى الصناعية والمالية (ما يعادل الشركاتالمتعدية الجنسية). وهكذا ترسخن العولمة المالية على قاعدة الذهب - الإسترليني. وبدأ الحديث بحماس شديد عن تدويل التبادلات البورصية الجديدة كما يدور الحديث اليومعن العولمة المالية.
كان الكاتب الشهير جول فيرن Jules Verne يجعل بطله (الإنجليزي طبعا) يدور حولالعالم في ثمانين يوماً: وهكذا كانت بداية "القرية العالمية".
إن انتصار "الفترة الجميلة" لم يدم أكثر من عشريتين. وقد تنبأ لهذا الانهياربعض الديناصورات مثل لينين (كان شابا آنذاك) ولكن لم ينصت إليهم أحد.
فالليبرالية لم تقلص من حدة التناقضات الخاصة بالنظام بل على العكس ضاعفت منشدتها.
وقد شهدت ثلاثة أرباع القرن العشرين مشاريع اللحاق وتحولات متفاوتة الجذرية فيبلدان التخوم أصبحت ممكنة بسبب تفكك العولمة الليبرالية الطوباوية للفترة المعروفة "بالفترة الجميلة".
وأخذ الأمر ما لا يقل عن ثلاثين عاما 1945-1914 وحربين عالميتين وأزمةالثلاثينات وثورتين عظميين (روسيا والصين) ونهوض كل من آسيا وأفريقيا من أجل تغييرموازين القوى لصالح الطبقات العاملة والشعوب وذلك إثر انتصار الديمقراطية علىالفاشية والتحرر الوطني من الاستعمار.
يعنى ذلك أن موازين القوى الحالية والتي هي في صالح رأس المال سوف لن تتغيربسهولة. فالتحديات التي تواجه الحركات الاجتماعية الرافضة لهذه الوضعية كبيرة جداًويجب وضع ذلك في الحسبان.
لقد تميز النصف الأوسط من القرن العشرين بموازين قوى اجتماعية ودولية أجبرت رأسالمال على التكيف مع منطق مصالح الطبقات العاملة والشعوب فرجحت الكفة لصالح هؤلاء،والأزمة التي تبعت (1968 – 1975) كانت أزمة انجراف ثم انهيار الأنظمة التأسيسيةللتطور السابق. والفترة التي لم ننته منها بعد ليست فترة إقامة نظام عالمي جديد كمايحلو للبعض القول، بل هي فترة إقامة فوضى من الصعب التحكم فيها. والسياسات الموضوعةفي هذه الظروف لا تشكل إجابة لاستراتيجيات توسع رأس المال بل تكتفي بتسيير الأزمةلا غير. ولكنها لن تتوصل إلى ذلك لأن المشروع "العشوائي" الناجم عن السيطرةالمباشرة لرأس المال، سيفشل لأنه مشروع طوبى، وطوباوية تسيير أمور الدنيا بقوانينالسوق والمصالح المهيمنة لرأس المال لن تؤدى إلى أي نتيجة بغياب الأطر التي تفرضهاالقوى الاجتماعية الفاعلة والمنظمة.
هكذا هو التاريخ الحديث: تتلو مراحل إعادة الإنتاج للأنظمة التراكمية فترات منالفوضى.
وفى أولى هذه المراحل - ما بعد الحرب- كان سير الأحداث رتيبا لأن موازين القوىالاجتماعية والدولية كانت مستقرة.
ويتم إعادة إنتاج هذه العلاقات بفضل الدينامية الخاصة بالنظام، ويبرز خلال هذهالمراحل فاعلون تاريخيون معينون (طبقات اجتماعية فاعلة، دول، أحزاب سياسية، ومنظماتاجتماعية قوية) ذوو ممارسات ثابتة وردود فعل متوقعة وأيديولوجيات تتمتع بالشرعيةاللازمة. قد تتغير الظروف في هذه الفترات لكن البني تبقى مستقرة. وذلك يسهل منعملية الاستشراف.
لكن الخطر يأتي عندما تمتد هذه التوقعات وكأنها بنىً دائمة إلى الأبد ومعلنة "نهاية التاريخ".
وعوضا عن تحليل التناقضات التي تمس بنى النظام يعرض البعض نظرة خطية تقودها "قوة الأشياء" "وقوانين التاريخ" حيث وصفها، عن حق، مفكرو ما بعد الحداثة بـ "السردالأكبر" “Les grandes narrations.
وهكذا يختفي فاعلوا التاريخ وراء المنطق البنيوي المزعوم للموضوعية.
لكن التناقضات هذه لا تعمل باطنيا ولابد لها من الانفجار يوماً، ما فتنهار فجأةالبنى التي كانت تبدو مستقرة ويدخل التاريخ في مرحلة توصف بالانتقالية. غير أن هذهالمرحلة تعاش وكأنها اتجاه نحو المجهول. وخلالها يتبلور فاعلون تاريخيون جدد يبحثونعن ممارسات جديدة محاولين إضفاء صيغة أيديولوجية جديدة تكون غامضة في البداية. لكنالأشياء تتبلور شيئا فشيئاً وتظهر علاقات جديدة محددة.
(4) فتطوى صفحة المشاريع التنموية التي ميزت القرن العشرين، وتنهار النماذجالثلاثة للتراكم المقيد الذي عرفته فترة ما بعد الحرب والذي أدى إلى أزمة بنيويةللنظام من 1968 إلى 1971 تذكرنا بأزمة نهاية القرن التاسع عشر. وتهبط معدلاتالاستثمار والنمو إلى نصف ما كانت عليه فترتفع البطالة وينتشر الفقر واللامساواةعلى جميع الأصعدة الوطنية والدولية.
وتفسر الأزمة بكون الأرباح التي يولدها الاستغلال لا تجد منافذ كافية تستغل فياستثمارات إنتاجية.
ويحاول إيجاد حلول لإدارة الأزمة بخلق منافذ جديدة للفائض من رؤوس الأموالالعائمة وتجنب إنقاصها المفاجئ. أما الحل الجدي للأزمة فيكمن في تغيير القواعدالاجتماعية المتحكمة في توزيع الدخل والاستهلاك والاستثمار أو بعبارة أخرى إنشاءمشروع اجتماعي جديد منسجم ومختلف عن المشروع الحالي الذي يرتكز على قاعدة المروديةلا غير.
إن هذه الطريقة في إدارة الأزمة كانت سيئة بالنسبة للطبقات العاملة ولشعوببلدان التخوم، (وكذلك المركز) غير أنها كانت مجدية ومفيدة للغاية لطبقات رأس المالالمهيمن، فالفوارق شاسعة في توزيع الدخل بين طبقات المجتمع وإذا كانت قد خلّفتالفقر والهشاشة والتهميش للبعض، فقد صنعت من ناحية أخرى أصحاب المليارات الذينيتباهون بدون حياء "بالعولمة السعيدة".
الأزمة البنيوية هذه كالتي سبقتها عرفت ثورة تكنولوجية ثالثة أثرت بعنف فيالأنماط التنظيمية للعمل فأضعفت فعالية ثم شرعية الأشكال النضالية السابقة للعمالوالشعوب، وتشرذمت الحركات الاجتماعية ولم تستطع إلى الآن الإجابة بفعالية علىالتحديات التي تواجهها. غير أنها قد بدأت باقتحامات في ميادين واتجاهات عديدة. فدخلت الحركات النسائية في الحياة الاجتماعية وانتشر الوعي بمدى الدمار الذي مسالبيئة على مستوى القارة إذ أصبح يهدد المعمورة بأسرها. في سنوات قليلة تعززت قوىالنضال الاجتماعي وأصبحت تظاهرات سياتل وبورتو أليغرى تخيف أقوياء الساعة.
كان هذا القلق وراء الهجمة الأخيرة لبلدان مجموعة السبعة. فبين عشية وضحاهاغيرت هذه البلدان من لهجتها مستعملة مصطلح التقنين الذي كان محظورا سابقا: ونسمعالآن وجوب التقنين في الت
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ