مشروع وثيقة من أجل بديل ديمقراطي وشعبي
حزب العمال الشيوعي التونسي
بمناسبة المهزلة الانتخابية
أكتوبر 2004
مشروع وثيقة من أجل بديل ديمقراطي وشعبي
حزب العمال الشيوعي التونسي
انتهت المهزلة الانتخابية ليوم 24 أكتوبر 2004 على النحو الذي كان متوقعا. فالتزوير الشامل والمنهجي قاد إلى بقاء بن علي في الحكم لولاية رابعة تفتح له باب الرئاسة مدى الحياة على مصراعيه. كما أنه أمّن للتجمع الدستوري الديمقراطي مواصلة الهيمنة على المؤسسة التشريعية وعلى الحياة العامة. وبهذه الصورة يجد الشعب التونسي نفسه بعد نصف قرن حوالي نصف قرن من حكم الحزب الدستوري محروما من ممارسة سيادته واختيار من يحكمه.
ومن المعلوم أن ترشح بن علي للرئاسة لم يكن ممكنا دون الانقلاب على الدستور الذي كُرس بواسطة استفتاء صوري في ماي 2002. كما أن استمرار هيمنة "التجمع" على الحياة العامة ما كان ليتحقق لولا توظيفه للدولة بكامل أجهزتها لذلك الغرض.
إن نتائج المهزلة الأخيرة جاءت لتؤكد مرة أخرى أن المسألة الديمقراطية لم تزل مطروحة برمتها وأنه من الوهم الاعتقاد بإمكانية حلها عن طريق الدكتاتورية النوفمبرية أو بالتعاون معها.
إن الهدف من هذا العمل الذي نقدمه إلى القراء هو إبراز الطابع غير الشرعي وغير المشروع لبقاء بن علي في السلطة وإظهار النتائج الحقيقية لـ17 سنة من حكمه وتوضيح السبيل، من وجهة نظرنا، لتغيير الوضع في مجتمعنا وبلادنا لما فيه مصلحة الطبقة العاملة والشعب التونسي عامة.
لا شرعية لسلطة مؤسسة على التزوير
لقد مثّل الجانب الرئاسي من المهزلة الانتخابية الأخيرة الرهان الأساسي الذي سعت الطغمة النوفمبرية إلى كسبه بكل الوسائل لا فقط لكون الرئاسة هي المؤسسة التي تسيطر صلب النظام القائم على كافة المؤسسات الأخرى مما يجعل المسك بها مسكا بالسلطة ككل كما هو الحال في سائر أنظمة الحكم الفردي المطلق، بل كذلك لإضفاء الشرعية على بقاء بن علي في الحكم والحال أنه مدعو إلى الرحيل لانتهاء الولايات الثلاث المسموح له بها حسب الدستور الذي كان نقحه بنفسه إثر انقلابه على بورقيبة في نوفمبر 1987.
وقد حاولت هذه الطغمة تمرير هذا الموقف اعتمادا على مبررين اثنين: أولهما "قانوني" وهو أن ترشح بن علي لولاية رابعة "شرعي" باعتباره تم على أساس تحوير للدستور "اِستُفتِيَ" فيه الشعب في ماي 2002 وزكّاه بأغلبية تقارب الـ100%. وثانيهما "سياسي" وهو يتمثّل في ما حققه بن علي من إنجازات مزعومة في كافة الميادين تجعله "خيار المستقبل" و"الضامن للنجاح"، وبالتالي فلا يجوز تخليه عن الحكم أو حسب عبارة بعض المرتزقة التي يستعيرونها من ميدان الرياضة:"الفريق الذي يربح لا يقع تغييره". وقد اعتبرت السلطة حصول بن علي في مهزلة 24 أكتوبر الماضي على نسبة الـ95% من الأصوات المزعومة نتيجة منطقية لـ"التفاف الشعب حوله".
I. التلاعب بالدستور لا يكسب ترشّح بن علي وبقاءه في الحكم أية مشروعية المشروعية:
إن ترشح بن علي لولاية رابعة غير شرعي لأن الاستفتاء الذي بُني عليه هذا الترشح غير شرعي وذلك لسببين اثنين: أولهما يهم الظروف السياسية التي جرى فيها استفتاء 26 ماي 2002 وهي ظروف تتسم بغياب كلي للحريات السياسية وبقمع منهجي وشامل لكافة أشكال النقد والمعارضة وبتبعية الإدارة التامة للحزب الحاكم وبخضوع الجهاز القضائي للسلطة التنفيذية خضوعا مطلقا. ومن البديهي أنّ استفتاء يُنظّم في ظروف كهذه لا يمكن أن يعبّر بأي شكل من الأشكال أو بأي درجة من الدرجات عن الإرادة الشعبية إذ أن الشعب لا يمكن أن يمارس سيادته إلا إذا توفرت له الشروط الضرورية وفي مقدمتها الحرية السياسية وبالخصوص حرية التعبير والتنظّم. إن الدكتاتورية النوفمبرية لم تسمح لأي طرف معارض لهذا الاستفتاء أو حتى متحفّظ عليه من التعبير عن رأيه حتى لو كان معترفا به قانونا (الحزب الديمقراطي، حركة التجديد، …) رغم أن نسبة المشاركة في الاستفتاء كانت ضعيفة للغاية بشهادة عديد الملاحظين (17%). فقد زوّرتها ورفعتها إلى أكثر من 90% لإضفاء الشرعية على قرار سياسي طُبخ في مكاتب قرطاج. ومما يؤكد الطابع الصوري لهذا الاستفتاء أن بن علي وفريقه لم يحترما فيه حتى أبسط الشكليات القانونية. فالدّعوة إلى تنظيمه تمت بأمر رئاسي بينما كان من المفروض أن تتم بمقتضى قانون أي عن طريق السلطة التشريعية. وهو ما يجعله باطلا حتى من الناحية الشكلية.
أما السبب الثاني فيهمّ مضمون الاستفتاء. إن الجميع يتذكّر أن بن علي عندما أزاح بورقيبة وأخذ مكانه في نوفمبر 1987 صرّح بأن "لا رئاسة مدى الحياة مستقبلا" ونقّح الفصل 39 من الدستور لِئلاّ يتجاوز عدد ولايات رئيس الدولة الثلاث والفصل 40 لئلا تتعدى السن القصوى للمرشح للرئاسة الـ70 سنة. واعتبر هذا التنقيح "عودة بالجمهورية إلى أصولها" وحاول أن يجعل منه مبررا لانقلابه على بورقيبة ويصنع منه شرعيّة لنفسه. ولكنه ما أن شارفت ولايته الثالثة والأخيرة على النهاية حتى سعى إلى إلغاء ما كان أقرّه بالأمس فحوّر من جديد الفصل 39 لإلغاء مبدأ تحديد عدد الولايات والفصل 40 لرفع سن الترشّح إلى 75 سنة وهو ما يمكّنه من الترشّح لا لانتخابات 2004 فحسب بل كذلك لانتخابات 2009. وبما أن الانتخابات في بلادنا صورية فمعنى ذلك أن بن علي ينوي البقاء في الحكم إلى سنة 2014 على الأقل. ولا شيء ينفي إمكانية تلاعبه بالدستور مجددا لإلغاء السقف العمري المحدد حتى يبقى في الحكم بعد ذلك التاريخ. وما هذا في الواقع إلا رئاسة مدى الحياة.
ولم يكتف بن علي بتنقيح الفصلين المذكورين لضمان بقائه في السلطة بل إنه أضاف فقرة جديدة إلى الفصل 41 تمتعه بالحصانة القضائية أثناء ممارسة مهامه وبعد انتهاء مباشرته لها حتى لا يحاسب على كل ما ارتكبه هو وحاشيته وأعوان نظامه من جرائم على حساب الشعب. كما حوّر بعض الفصول الأخرى (الفصل 48 مثلا) لتعزيز صلاحياته على حساب السلطة التشريعية التي هي من الأصل مقزّمة بل مجرّد صدى لما يقرّره. وهكذا يمكن القول إن مضمون الاستفتاء يتلخص في ما يلي: رئاسة مدى الحياة مقرونة بحصانة قضائية مدى الحياة. مما يعني تكريسا واضحا للحكم الفردي المطلق. وأخيرا وليس آخرا وتحسبا لكل طارئ ترك بن علي باب الترشح للرئاسة مغلقا حتى لا ينافسه أحد بل إنه خوّل لنفسه بواسطة تنقيح جديد أدخله سنة 2003 على الفصل 40 من الدستور، اختيار من "ينافسه" أو بالأحرى من يقوم له بدور التيّاس لإضفاء تعددية زائفة على انتخابات رئاسية مزوّرة من الأساس.
إن تحديد عدد الولايات في الأنظمة الرئاسية في الديمقراطيات البورجوازية مثلا يهدف إلى الحيلولة دون تحوّل الرئاسة إلى حكم ملكي مُقَنّع. كما أن تحديد آليات لمراقبة أداء الرئيس لمهامه ومحاسبته ومقاضاته أو عزله عند اللزوم هو
ركن آخر من أركان الجمهورية التي يعلو فيها القانون على الجميع وهو ما يميّزها عن الحكم الفردي المطلق الذي لا رقيب عليه ولا حسيب. وفي نفس الوقت فإن ضمان حرية الترشح لمنصب الرئاسة لكافة المواطنات والمواطنين لا يمثّل احتراما لحق أساسي من حقوق المواطنة فحسب وهو الحق في الترشح للمناصب العامة ولكنه أيضا مقومة أساسية من مقومات ممارسة الشعب لسيادته مما يجعله قادرا على الاختيار الحر لمن يمثله أو يحكمه. ولا بد من التذكير بأن النظام الرئاسي لا يمثل رغم هذه التقييدات أكثر النظم ديمقراطية في الجمهورية البورجوازية لما يمنحه من سلطات للرئيس الفرد.
إن انتهاك بن علي للمبادئ التي ذكرناها وتقنين هذا الانتهاك عبر استفتاء مزور من الأساس لينزع عن هذا الاستفتاء كل مشروعية لا من زاوية المبادئ الديمقراطية العامة فحسب بل حتى من زاوية الدستور التونسي على نواقصه ورغم افتقاده لأية قيمة بسبب التلاعب المستمر به. فالفصل 76 من هذا الدستور لئن أعطى رئيس الدولة وثلث أعضاء مجلس النواب على الأقل الحق في تقديم مشاريع لتنقيح الدستور فإنه اشترط صراحة أن لا تمس هذه المشاريع بـ"النظام الجمهوري للدولة" ولا نخال الرئاسة مدى الحياة وتمتيع الرئيس بحصانة قضائية أثناء مباشرته لمهامه وبعدها ومنع حرية الترشح للرئاسة من أسس النظام الجمهوري بل إنها تعزيز سافر لحكم فردي مطلق قائم في تونس منذ عهد بورقيبة.
وفي الواقع فإن بن علي كرر ما كان قام به بورقيبة سنة 1974 حين أوشكت ولايته الثالثة والأخيرة على النهاية مع فارق في الشكل. فإذا كان بورقيبة أعلن نفسه صراحة رئيسا مدى الحياة فإن بن علي ومراعاة لاختلاف الظروف، أعلنها رئاسة مدى الحياة مقنـّـعة. وإذا كان الأول اكتفى بتمرير القرار عبر مجلس النواب فإن الثاني مرره عبر استفتاء صوري على أمل أن يكسبه في الظاهر قوة قانونية أكبر.
إن الشعب التونسي، لو كان يتمتع بالحرية السياسية ما كان ليسمح بإجراء مهزلة كهذه بل إن بن علي ذاته ما كان ليجرأ على استفتائه حول مسائل كهذه تضرب حقوقه في الصميم. إن الغياب التام للحرية السياسية وانعدام ممارسة الشعب لسيادته هما اللذان جعلا بن علي يقدم على تنظيم استفتاء 26 ماي 2002 المهزلة لأنه يعلم أن بوليسه وإدارته، لا الإرادة الشعبية، هما اللذان يحددان مسبقا نتيجته عبر التزوير المنهجي والشامل ومن البديهي أن مثل هذا التلاعب بالسيادة الشعبية لا يكسب ترشح بن علي لولاية رابعة وبقاءه في الحكم أية مشروعية.
II. 17 سنة من حكم بن علي: دكتاتورية، استغلال، فساد وعمالة
إن المبرر الثاني لتمكين بن علي من ولاية رابعة، وهو مبرر سياسي، مثله مثلالمبرر الأول مردود. فحتى على فرض أن نتائج 17 سنة من حكم بن علي إيجابية فإن ذلك لا يمثل بأي حال من الأحوال سببا مشروعا للبقاء في الحكم مدى الحياة أو حتى للترشح لولاية رابعة أو لعدم الاحتكام للشعب عبر انتخابات حرة حقا لأنه لا يمكن ربط مصير شعب بأكمله بفرد لما في ذلك من احتقار لذكاء هذا الشعب وامتهان لقدرته على إنتاج قادة أكفاء يختارهم لتسيير شؤونه. هذا كما قلنا إذا كانت النتائج حقا إيجابية فما بالك إذا كانت سلبية في كافة المجالات!! إن بن علي هو الذي زعم أن الـ 17 سنة من حكمه "إيجابية"، وليس الشعب التونسي الذي لم يكن له فوق ذلك أي دور بحكم حرمانه من حقوقه الأساسية، لا في صياغة الاختيارات التي سار عليها بن علي ولا في الإشراف على تنفيذها ولا في تقييمها. إن ما يقوله بن علي على نفسه أو ما يقوله عنه المحيطون به والمصفقون له يناقض الواقع الذي يشهد على ضرورة رحيله لا بقائه.
أ -في المجال السياسي: تدعيم الحكم الفردي، تفاقم القمع، دوس السيادة الشعبية
ففي المجال السياسي لم يحقق بن علي لا الحرية ولا الديمقراطية للشعب التونسي بل إن الشيء الوحيد الذي نجح فيه بحكم تكوينه المخابراتي وتجربته الطويلة على رأس جهاز الأمن في نظام بورقيبة هو تحويل تونس إلى سجن كبير، إلى بلد يشار إليه بالإصبع في كافة أنحاء العالم باعتباره موطنا لإحدى الدكتاتوريات البوليسية الرهيبة التي لا تزال قائمة إلى اليوم. فقد عزّز بن علي الحكم الفردي المطلق. فجمّع بين يديه على غرار سلفه بل أكثر منهكافة السلطات مما جعله يتصرّف في تونس بجهاز بوليسي ضخم (136 ألف عون) لمراقبة المواطنين والاستبداد بهم وقمع كل خروج على الصف. ودعّم هيمنة الحزب الحاكم على الدولة وجعل من الانتماء إليه شرطا أساسيا للتمتع بأبسط الحقوق المدنية كالشغل والسكن والمنحة الدراسية والرّخص. وسخّر القضاء بشكل لا سابق له لحماية مصالحه ومصالح عائلته والأقلية الفاسدة التي يستند إليها في حكمه. وعزّز ترسانة القوانين الفاشستية لتكميم أفواه التونسيات والتونسيين في الداخل والخارج. وقد استغل الحملة الدولية التي تشنها الإدارة الأمريكية بعنوان "مكافحة الإرهاب" للغلوّ في تجريم كل معارضة لنظامه واعتبارها "عملا إرهابيا". كما أنه لم يتورع أخيرا عن إصدار قانون باسم "حماية المعطيات الشخصية" يسمح للإدارة بانتهاك ما يتعلق منها بالمواطن ولكنه يجرّم كل من يفضح أعمال الفساد والنهب والإثراء غير المشروع لـ"العائلة الحاكمة" والمقربين منها. واستمر في انتهاك مبدأ السيادة الشعبية جاعلا من الانتخابات مجرد عملية صورية معروفة النتائج مسبقا ومن المؤسسات الناجمة عنها أدوات طيعة بيده تنفّذ أوامره، وحوّل المعارضة الرسمية إلى مجرّد ديكور يضفي به على نظامه طابعا تعدّديا زائفا. وقمع الأحزاب والمنظمات والجمعيات التي حاولت بهذه الدرجة أو تلك الحفاظ على استقلاليتها، ودجّن الحركة النقابية وحوّل الاتحاد العام التونسي للشغل ومعظم المنظمات المهنية إلى هياكل فارغة تأتمر قياداتها بأوامره وتنفّذ سياسات نظامه لأنها مدينة بوجودها وبقائها له ولبوليسه وإدارته لا إلى قواعد التنظيمات التي تزعم تمثيلها. واحتكر وسائل الإعلام ووصل قمعه لحرية التعبير والصحافة إلى درجة أنه ما انفك منذ عام 1998 يُرَتـَّب ضمن العشرة رؤساء دول وحكومات الأوائل في العالم في مجال معاداة حرية الصحافة وتونس ضمن المجموعة الأخيرة من دول العالم التي تمثل المنطقة السوداء في خارطة أوضاع حرية الصحافة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ. فقد أُطردت جمعية مديري الصحف التونسية من "الجمعية العالمية لمديري الصحف" (جوان 1997) وجُمّدت عضوية الجمعية التونسية للصحفيين في الفدرالية الدولية للصحفيين (مارس 2004) لنفس السبب وهو الإخلال بواجب الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين في تونس والتواطؤ مع الدكتاتورية في انتهاكهما. وملأ السجون بالمعارضين ناهيك أن ما بين 35 ألف و40 ألف مواطن اعتقلوا خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة لأسباب سياسية. وسبّب هجرة الآلاف من المعارضين للعيش في المنفى. وجعل من ممارسة التعذيب أسلوب حكم أودى بحياة العشرات من المعارضين وخلّف عاهات جسدية ومعنوية للآلاف منهم مما جعل الحديث عن تونس في تقارير المنظمات والهيئات الإنسانية مقرونا بشكل دائم بالحديث عن التعذيب فيها الذي كان سببا في حصول بن علي على إدانة في مناسبتين (1998-1999) من لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. وإلى ذلك أصبح الاعتداء على النشطاء من النساء والرجال في كافة المجالات السياسية والحقوقية والنقابية والثقافية وتشويههم عبر حملات صحفية ممولة من وزارة الداخلية ظاهرة بارزة في عهد بن علي. وأخيرا وليس آخرا أخضع هذا الأخير كافة المواطنين للمراقبة البوليسية في مختلف مجالات حياتهم الخاصة والعامة. فالتنصّت على المكالمات الهاتفية ومراقبة المراسلات وشبكة الأنترنيت وجهاز الفاكس أصبحت أمرا يندرج ضمن الحياة العادية للتونسي.
وباختصار شديد فإن الشعب التونسي يجد نفسه بعد 17 سنة من حكم بن علي محروما من أبسط حقوقه الأساسية، مستثنى من المشاركة في الحياة السياسية، يعيش أفراده في وضع الرعية لا في وضع المواطنة يلازمهم الخوف على حريتهم وعلى حرمة أجسادهم وموارد رزقهم وخفايا حياتهم الخاصة فضلا على حرمة عائلاتهم ومصير بناتهم وأبنائهم. إن الحرية والديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات التي وعد بها بن علي لم تكن سوى وهم إذ الواقع عسف وتسلط وغطرسة.
ب – في المجال الاقتصادي: تبديد الممتلكات العمومية، تعميق الهشاشة والتبعية، سوء الإدارة والتصرّف
إن النتائج الاقتصادية لـ17 سنة من حكم بن علي لا تقل سوء عن النتائج السياسية رغم الدعاية المضلّلة التي يقوم بها النظام وبعض الأوساط السياسية والمالية الأجنبية المنتفعة من وجوده. فالتونسي يسمع باستمرار حديثا عن "المعجزة الاقتصادية التونسية" وعن نعت تونس بـ"القوة الاقتصادية الصاعدة" وبـ"نمر شمال إفريقيا". ومن بين الآراء الشائعة أيضا لدى تلك الأوساط ولدى صنف من الصحفيين والإعلاميين والمراقبين الأجانب أن بن علي إذا كانت "حصيلة حكمه في المجال السياسي قابلة للنقد لاتسامها بـ"إفراط غير مبرر في التشدد" فإن الحصيلة الاقتصادية إيجابية ونموذجية" ويخلصون إلى أن تونس لا تحتاج إلا إلى بعض الإصلاحات السياسية لتحقق التقدم المناسب لتقدمها الاقتصادي. ومثل هذا الكلام كان قيل عن بينوشي دكتاتور الشيلي الدموي (1973-1991) وكأنه توجد قطيعة بين الاقتصاد والسياسة، بل إن هذا الموقف الذي لا يخدم إلا مصالح الدول والشركات الاحتكارية الامبريالية وعملائهم في تونس يهدف إلى طمس حقيقة أن الدكتاتورية بما تعنيه من قمع للحريات وإلغاء لمبدأ السيادة الشعبية وانتهاك لحقوق الإنسان ما هي إلا إطار سياسي لتكثيف استغلال الشعب ونهب خيراته لفائدة أقلية من مصاصي الدماء دون أن تكون له إمكانية الدفاع عن حقوقه بأي وسيلة من الوسائل. فالنتائج الاقتصادية الإيجابية، إن وُجدت حقا، هي لفائدة من؟ وعلى حساب من تحققت؟ هذا هو السؤال الذي يقع يتجاهله. إن الحكم على أي سياسة اقتصادية لا يتم إلا من زاوية قدرتها على الاستجابة الفعلية لمقتضيات النهوض بالبلاد في مختلف المجالات وإخراجها من دائرة التبعية للدول والاحتكارات الامبريالية أوّلا وعلى تلبية حاجات الشعب الأساسية المادية والمعنوية ثانيا وليس من زاوية ما توفره من منافع لأصحاب رأس المال المحليين والأجانب.
لقد واصل بن علي منذ إزاحته لبورقيبة في نوفمبر 1987 تطبيق "برنامج الإصلاح الهيكلي" الذي تم الشروع في تنفيذه قبل عام بتوصية من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. كما أردف هذا البرنامج بآخر مملى من الاتحاد الأوروبي وهو "برنامج التأهيل الشامل" (1995) في إطار "اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية" التي تهدف إلى خلق منطقة تبادل حر مع تونس، أي تحويلها إلى مجرد سوق للرساميل والبضائع الأوروبية وبالانخراط في منظمة التجارة العالمية التي تحددت توجهاتها وأهدافها حسب مصالح الدول والشركات الاحتكارية الامبريالية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وقد كان لهذه الاختيارات الاقتصادية التي تندرج ضمن النهج الرأسمالي المتوحّش الذي يسود عالمنا نتائج وخيمة على الاقتصاد التونسي يمكن حوصلة الأساسي منها في النقاط التالية:
1) لقد تم تبديد الممتلكات العمومية بعنوان "الخوصصة" التي شملت كافة القطاعات بما فيها الاستراتيجية كالإسمنت والكهرباء والغاز والاتصال والنقل. ومن المنتظر أن تشمل قريبا الماء. وقد استأثر الرأسمال الأجنبي إلى حد الآن بـ75% من عائدات هذه الخوصصة وهي حصة قابلة للارتفاع مع خوصصة عدد جديد من المؤسسات وهو ما سيمكّن أصحاب الرأسمال الأجانب دولا وشركات وبنوكا من مزيد السيطرة على مصائر البلاد وتجريد الشعب التونسي من كل إمكانية للتحكم في خيرات بلاده وثرواتها للنهوض بأوضاعه وضمان مستقبل أبنائه وبناته وهو الهدف الحقيقي من سياسة الخوصصة التي أملتها مؤسسات النهب الدولي ويطبّقها صاغرا ذليلا نظام بن علي الذي خصته تلكالمؤسسات بصفة "أنجب تلاميذها" في المنطقة.
2) وإلى ذلك فقد تفاقمت هشاشة الاقتصاد التونسي في عهد بن علي بسبب توجه النشاط الاقتصادي عامة إلى القطاعات غير المنتجة (الخدمات) على حساب القطاعات المنتجة بحثا عن الربح السهل والسريع. ناهيك أن مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج الداخلي الخام تراجعت سنة 2002 إلى حدود 10,4 % ولم تتجاوز مساهمة قطاع الصناعة والمناجم 29,1 % بينما بلغت مساهمة قطاع الخدمات 60,5%. ومن النتائج الخطيرة لهذا التوجه هو أن الاقتصاد التونسي أصبح أكثر من أي وقت مضى اقتصاد خدمات والبلاد تعيش أكثر فأكثر من الاستيراد وهو ما يعمق تبعيتها ويرهن مستقبلها ومستقبل أبنائها وبناتها بمراكز القرار الأجنبية، دولا ومؤسسات وشركات استعمارية.
3) وخلافا لما زعمت السلطة فإن اعتماد "برنامج الإصلاح الهيكلي" لم يؤد إلى التخفيف من عبء المديونية الخارجية لتوفيرظروف أنسب لتطور الاقتصاد التونسي وحتى لا تبقى ثمرة مجهود البلاد مخصصة لتسديد الديون بل إن النتائج أكدت تفاقمها إذ أنها زادت في ما بين 1987 سنة وصول بن إلى الحكم، و2002أي بعد 12 سنة من حكمه بنسبة 3,6 مرات. ومن الملاحظ أن نسق تطور خدمة المديونية الخارجية كان خلال العشر سنوات الأخيرة أهم من نسق تطور الناتج الداخلي الخام (62,2% مقابل 43,4%) وأن ما تقترضه بلادنا حاليا لا يغطي حتى فاتورة خدمة الدين المسددة سنويا فما بالك بتحقيق مشاريع تنموية. وهو ما يؤكد أن بلادنا تغرق في التداين وبالتالي في التبعية وهو ما يسمح بتكثيف نهبها واستغلال أبنائها وبناتها.
4) وفي نفس السّياق لم يسجل الميزان التجاري تحسنا ذا مغزى من شأنه أن يبرر اختيارات السلطة. فعجز الميزان التجاري متواصل. كما أن انخراط تونس في المنظمة العالمية للتجارة وإبرامها لاتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي من أجل خلق منطقة للتبادل الحر وما نتج عن ذلك من تحرير للمبادلات وإلغاء تدريجي للمعاليم الجمركية أدى إلى تدمير تدريجي للنسيج الصناعي المحلي لعدم قدرة المؤسسات التونسية التي تغلب عليها المؤسسات الصغرى والمتوسطة على المنافسة. وإلى ذلك فإن إنشاء الفضاءات التجارية الكبرى التي تمثل فروعا لاحتكارات تجارية عالمية أضر كثيرا بصغار التجار. وبشكل عام تتجه الحالة إلى التعكر مع اقتراب دخول تفكيك الاتفاقية المتعددة الألياف الخاصة بالنسيج حيز التطبيق في شهر جانفي القادم ودخول الصين إلى المنظمة العالمية للتجارة في مطلع السنة المقبلة والتحرير التام للمبادلات مع الاتحاد الأوروبي في سنة 2008.
5) ومما زاد الطين بلة غياب التسيير الرشيد للنشاط الاقتصادي. ويتجلى هذا الغياب في:
أولا: التسيير البيروقراطي للحياة الاقتصادية وما يعنيه من تغييب للشغالين وللشعب عامة في تقرير الاختيارات الاقتصادية ومراقبة تنفيذها وتقييم نتائجها وفي كيفية صرف الأموال العمومية حيث تنعدم الشفافية.
وثانيا: تفاقم ظاهرة الفساد التي أصبحت في عهد بن علي ركيزة من ركائز النظام يمثّل أفراد "العائلة المالكة" والمقربون منها الطرف الضالع فيها رئيسيا. وهي تتمثـّل في استغلال هؤلاء نفوذ بن علي للحصول على عمولات هامة من التوسّط في الصفقات العمومية واستغلال عملية الخوصصة للاستحواذ على مؤسسات وأراض عمومية بأثمان بخسة واحتكار بعض الأنشطة بتواطؤ من الإدارة والبوليس والقضاء ومشاركة قسرية في المشاريع الرابحة واستئثار بالتجارة الموازية وافتكاك الممتلكات الخاصة، والأهم من ذلك تخريب النظام البنكي التونسي بما يحصلون عليه من قروض دون ضمانات وبالتالي مشكوك في تسديدها. وتمثّل البنوك العمومية التي يمولها الشعب أكثر متضرر من ذلك. وبما أن "البلاد على قيادها" فقد تفشت ظاهرة الرشوة في كافة المستويات من إدارة وبوليس وقضاء إلى حد أنها أصبحت وسيلة أساسية لقضاء أبسط الأمور. وثالثا: فساد النظام الجبائي: فرغم أن هذا النظام صيغ لفائدة أصحاب رأس المال فإنهم لا يتوانون عن استنباط ألف طريقة وطريقة للتهرب من دفع الضرائب، إضافة إلى أن السلطة تستعملها وسيلة للضغط السياسي. فالذين يؤيدون الدكتاتورية النوفمبرية ويقدمون الرشاوي لرموزها يُغَضّ الطرف عنهم أما الذين ليس لهم "سند" أو يرفضون الخضوع للابتزاز فيتعرضون للعسف الجبائي بغية إرضاخهم أو تفليسهم. وما من شك في أن غياب الشفافية وسيادة منطق الجور والتعسف لا يساعد على تطوير النشاط الاقتصادي حتى في نطاق النظام الرأسمالي نفسه لانعدام الضمانات كما كان الحال زمن البايات.
وخلاصة القول إن السياسة الاقتصادية التي اتبعها بن علي، والتي هي كما ذكرنا مملاة عليه من الدوائر الامبريالية، لم تخرج البلاد من التخلف الهيكلي الذي يعاني منه اقتصادها بما يعنيه من تبعية وهشاشة وتفكك بل على العكس من ذلك فقد تعمقت هذه المظاهر مما سد الباب أمام إمكانية تحقيق تونس لنهوض شامل مستقل ومتماسك. ولا يوجد في الأفق ما يؤشر لإمكانية الخروج من هذا النفق بل إن كل الدلائل تشير إلى أن الاقتصاد التونسي تنتظره رجّات عنيفة رغم أن السلطات تحاول بكل الوسائل طمس هذه الحقيقة لتزوير الأرقام أو تجميلها كما هو الحال بالنسبة إلى معدلات النمو والعجز المسجل في ميزانية الدولة والتضخم إلخ.
ت – في المجال الاجتماعي: الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا
أما في المجال الاجتماعي فقد أدى النهج الاقتصادي الذي اختاره بن علي إلى نتائج خطيرة، ذلك أنه إن كان هذا النهج قد عاد بالنفع على أثرياء تونس وخاصة المقربين منهم من القصر وعلى أصحاب رؤوس الأموال الأجانب فإنه ألحق أضرارا فادحة بالشعب التونسي بكامل طبقاته وفئاته الكادحة.
فبعد 17 سنة من حكم بن علي أصبح أصحاب الملكية على قلتهم يستأثرون بـ56% من الناتج الداخلي الخام مقابل 40% في السبعينات. كما تعود إليهم نسبة 60% من مصاريف الاستهلاك الوطني وبالمقابل فإن مساهمتهم في الجباية لا تتعدى 11 أو 12%. أما الأجراء فإن نصيبهم من الناتج الداخلي الخام نزل من 54,9% عام 1970 إلى 29% في التسعينات رغم أن عددهم ازداد كثيرا. كما أن نصيب 80% من السكان من مصاريف الاستهلاك الوطني لا يتجاوز 20% ومع ذلك فهم يدفعون ما لا يقل عن 85% من معاليم الجباية. إذن فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا. هذه هي الحقيقة التي تتردد اليوم على أفواه كافة أبناء الشعب وبناته الذين دمر حياتهم:
أولا: الغلاء الجنوني للأسعار مقابل النسق الضعيف لتطور أجورهم ومداخيلهم ناهيك أن أصحاب الأجر الأدنى في القطاعين الصناعي والفلاحي مثلا خسروا ما بين 1983 و2003 على التوالي 23,04% و13,80% من مقدرتهم الشرائية وبالتالي فإنهم لم يحرموا فقط من تحسين معيشتهم بل حرموا حتى من الحفاظ على مستوى عيشهم السّابق وقد أصبح الأجر الأدنى على محدوديته حلم عشرات الآلاف من الشغالين الذين مكنت المراجعة المتتالية لقوانين الشغل أصحاب رأس المال من تكثيف استغلالهم مقابل أجور بؤس لا تتجاوز في الغالب حتى 80 أو 100 دينار. وقد دفع غلاء تكلفة العيش بأعداد كبيرة من الأجراء إلى العيش بالديون لدى البنوك والمؤسسات التي يعملون بها ومراكز البيع بالتقسيط بل إن الواحد منهم أصبح مضطرا إلى البحث عن شغل ثان وثالث على حساب راحته وصحته لتأمين عيش العائلة ومصاريف تعليم "الأولاد" وتسديد الديون المتراكمة. ومن البديهي أن المستفيد من هذا الوضع هم مصاصو دماء الشعب لأن الدينار الذي يخرج من جيب المواطن يذهب مباشرة إلى جيوبهم.
ثانيا: تفاقم البطالة والتهميش ومظاهر البؤس
إن 17 سنة من حكم بن علي لم تزد ظاهرة البطالة والتهميش إلا حدة واتساعا. فالشغل ليس حقا أساسيا من حقوق المواطنة يضمنه المجتمع وبالتالي الدولة لمواطنيها ومواطناتها لسد حاجاتهم وضمان كرامتهم بل هو "امتياز" كما جاء على لسان بن علي في مطلع التسعينات الذي يوافق انطلاق الهجمة الشرسة التي شنتها الدكتاتورية النوفمبرية على حقوق الشعب السياسية والاجتماعية ". ومن هذا المنطلق أصبحت مسؤولية البحث عن الشغل ملقاة على كاهل الفرد كما أصبح العاطل عن العمل مسؤولا على عطالته وهي طريقة لتبرير تخلي الدولة عن واجباتها خصوصا أنها قلصت الاستثمارات والنفقات العمومية وإطلاق يد أصحاب رأس المال المحليين والأجانب لتكثيف استغلالهم لليد العاملة والتصرف فيها كما يشاؤون بعنوان "مرونة التشغيل". وفي هذا السياق يسرت مراجعة قانون الشغل الطرد الجماعي للأجراء. كما ترك العمل القار تدريجيا مكانه لأنماط من العمل الهش كالعمل الوقتي والعمل الجزئي إضافة إلى العمل بالمناولة وما يعنيه من سمسرة فظيعة باليد العاملة. وإذا كانت الحكومة تقر بنسبة بطالة تتراوح بين 15 و16% (مقابل 13% سنة 1987) فإن أهل الاختصاص يقدرونها بحوالي 20 أو 25% تضاف إليها نسبة هامة من الذين يقومون بأنشطة هامشية وغير قارة. ولقد طالت البطالة لأول مرة في عهد بن علي حاملي الشهادات العليا الذين أصبحوا يمثلون حسب الأرقام الرسمية 6,3% من جملة العاطلين عن العمل بينما ترتفع نسبة ذوي مستوى التعليم العالي بشكل عام إلى 12,1% (2002). ولم يعد الذين يعملون في مأمن من البطالة إذ أصبح الطرد الجماعي ظاهرة مفزعة ناهيك أن عدد المطرودين سنويا منذ عام 1986/1987 لا يقل عن 10 آلاف حسب الحكومة و13 ألف حسب المصادر النقابية وتحديدا خلال السنوات الأخيرة. ولا يمكن الاعتقاد أن ظاهرة الطرد وبالتالي البطالة ستخف في القادم من الأيام لا لكون الظروف العالمية ستزيد سوءا (تفكيك الاتفاقية المتعددة الألياف في مطلع العام القادم وانعكاساته السلبية على قطاع النسيج، دخول الصين المنظمة العالمية للتجارة، إعادة توجيه الاستثمار الأوروبي نحو بلدان أوروبا الشرقية الملتحقة أخيرا بالاتحاد…) فحسب بل لإمعان بن علي في تطبيق نفس الاختيارات الرجعية المولدة للبطالة، ولعدم جدية الحلول التي يطرحها لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية مثل صندوق 21/21 أو بنك التضامن التي لا تعدو أن تكون مسكنات ظرفية ناهيك أن بن علي عوض أن يوجه المساعدات والتشجيعات إلى العاطلين عن العمل فهو ممعن في توجيهها إلى أصحاب رأس المال بدعوى حثهم على خلق مواطن الشغل بينما هم يستخدمونها لمزيد الإثراء دون أن يغيروا شيئا من واقع البطالة.
وإلى جانب تكاثر عدد العاطلين عن العمل تجدر الإشارة إلى أن حوالي 1.048.000 نسمة، حسب إحصائيات للبنك الدولي لسنة 2000، في الفقر أو الخصاصة. وقد تفاقمت نتيجة ذلك مظاهر البؤس في المدن والأرياف حيث تكاثر عدد المتسولين والمشردين في الشوارع والأسواق وأمام المساجد والمستشفيات ومحطات النقل من بينهم أطفال ونساء وشيوخ وحتى شبان وكهول.
ثالثا: تدهور الخدمات الاجتماعية
إن تدمير الخدمات الاجتماعية هو إحدى النتائج الأساسية لسياسة بن علي الاقتصادية. فهو ما انفك، تطبيقا لتوصيات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي يقلص من حجم التمويل العمومي لقطاعات الصحة والتعليم والنقل والسكن. إن المنطق الرأسماليالوحشي يعتبر النفقات المخصصة لهذه الخدمات أموالا "ضائعة" لأنها لا تذهب إلى جيوب أصحاب رأس المال. وبعبارة أخرى فهذه الخدمات لا ينظر إليها كحق أساسي من واجب المجتمع وبالتالي الدولة السهر على توفيرها لكل فرد تكريسا للمساواة وضمانا للمقومات الدنيا للعيش الكريم بل ينظر إليها كـ"عبء" على الدولة أن تتخلص منه لتلقي به على كاهل الفرد ولتوفر الفرصة لأصحاب رأس المال المحليين والأجانب كي يحوّلوا تلك الخدمات إلى مجال للاستثمار يعود عليهم بالربح الوفير. وهو ما أدى إلى تفاقم شتى أشكال الحيف والتمييز علاوة على ما في الأمر من مخاطر على مستقبل المجتمع بأسره.
ففي مجال الصحة خوصص بن علي القطاع وفتحه للاستثمار الرأسمالي فتكاثرت المصحات الخاصة ذات الطابع التجاري التي تتحكم فيها مافيا طبية لا يهمها إلا ما تجنيه من أرباح على حساب المرضى. كما أنه قلص مساهمة الدولة في ميزانية الصحة العمومية ناهيك أنها نزلت من 43% سنة 1987 إلى 32% سنة 1999 بينما ارتفعت مصاريف الأسر في نفس الفترة من 42% إلى 48% وهو ما كان له أسوأ الأثر على الخدمات التي تقدمها المستشفيات العمومية بسبب فقدانها للإطارات والتجهيزات والأدوية الضرورية مما أصبح يشكل ضغطا غير مباشر على المواطن كي يتوجه إلى القطاع الخاص مع العلم أن السلطات سعرت تلك الخدمات وحدت من عدد المنتفعين بها مجانا وأثقلت كاهل المؤمنين بالزيادة في مساهمتهم في التأمين على المرض. وإلى ذلك فقد ارتفعت أسعار عيادات الأطباء ناهيك أن أجرة الطبيب العام ارتفعت من 5 دنانير سنة 87 إلى 15 دينار سنة 2004. وخلال نفس الفترة ارتفعت أجرة الطبيب الاختصاصي من 15 دينار إلى ما بين 30 دينار و40 دينار حسب الاختصاص. كما ارتفعت تسعيرة الولادة من 150 دينار إلى 500 دينار والعمليات القيصرية من 500 دينار إلى 1000 دينار وشهدت الأدوية بدورها ارتفاعا مشطا. وليس أدل على ذلك من أن بعض الأدوية (غونادتروفين كوريونيك 5000) ارتفع سعره خلال 2004 فقط من 2650 مليم إلى 11644 مليم! كما ارتفع سعر التيتاغام من 7464 مليم إلى 11878مليم وسعر المونوتاست من 2500 مليم إلى 6232 مليم. وبطبيعة الحال فإن المتضرر من هذا الوضع هم الطبقات والفئات الكادحة والفقيرة مما خلق وضعا يتميز بوجود نوعين من العلاج: واحد للفقراء وآخر للأغنياء وهو ما عمّق عدم المساواة أمام المرض وبالتالي عدم المساواة في الحياة الذي أصبح مرهونا أكثر من أي وقت مضى بالثروة.
وفي مجال التعليم صفّى بن علي ما تبقـّـى من مكتسبات الشعب التونسي في هذا المجال على محدوديتها بدعوى "الإصلاح" الذي هو في الأساس مشروع رأسمالي ليبيرالي فرضته مؤسسات النهب الدولي ويتخذ اليوم من الأسماء اسم "مدرسة الغد". وليس لهذا المشروع من هدف غير إخضاع المؤسسة التربوية لمقتضيات المؤسسة الاقتصادية الرأسمالية، حتى توفر لها ما تتطلبه من إطارات وتهيّء كوادرها للحياة المهنية إن حصلوا على شغل بالطبع. وهو ما يعني ضرب مفهوم التربية باعتبارها مؤسسة اجتماعية محورها المعرفة والعلم وتطويرهما ضمن استراتيجية تهدف إلى توفير شروط النهوض بالبلاد وجعلها قادرة على التحكم في مصيرها والإسهام في إثراء الإرث الإنساني انطلاقا من خصوصياتها التاريخية والقومية وتعويضه بمفهوم المؤسسة الاقتصادية التي تنتج بضاعة حسب الطلب مما يؤدي إلى خضوعها هي ذاتها لمنطق الربح الرأسمالي فتتحول العلاقة بينها وبين التلميذ/الطالب إلى علاقة بين مؤسسة وحريف، وهو ما ينجر عنه، كما في الصحة بروز نمطين من التعليم: واحد للفقراء رديء وبدون آفاق وآخر للأغنياء راق وذو آفاق مما يعمّق التمييز أمام المعرفة ويجعل كسبها رهين الثروة. في هذا السياق خضع التعليم في تونس تدريجيا للخوصصة وهي خوصصة من المنتظر أن تتفاقم مستقبلا مع فتح سوق التعليم للمؤسسات الأجنبية. كما أن السلطة ما انفكت تسعى إلى القضاء على المجانية النسبية للتعليم العمومي بتحميل العائلات نفقات إضافية لتعليم أبنائهم وبناتهم، في شكل معاليم ترسيم وأسعار لوازم مدرسية تنزع إلى الغلاء باستمرار أو في شكل "إعانات" لبناء أقسام جديدة أو ترميم الموجود منها أو تأثيث المكتبات أو نفقات كراء وأكل بالنسبة إلى الطلبة الذين تضاءل عدد المنتفعين منهم بمنحة (35%) أو سكن (24,07%) مما جعل أغلبهم عرضة لاستغلال فاحش من قبل أصحاب المبيتات الخاصة حيث تكلفة السرير تتراوح بين 35 دينار و90 دينار أي ما بين 3 و9 مرات تكلفة الإقامة بالمبيت العمومي. أما المنحة فهي تراوح مكانها (50 دينار) منذ سنوات علما أنها لا تكفي أحيانا لتسديد نفقات السكن بالنسبة لغير المقيمين بالمبيتات العمومية.
ومن منطلق إخضاع التعليم لحاجات السوق وهي سوق تسيطر عليها المؤسسات المالية والشركات الامبريالية انتشرت بشكل عشوائي الشّعب القصيرة ( شُعب تكوين مهني ) التي تحتاجها هذه المؤسسات والشركات والتي يبقى معظم خرّيجيها عاطلين عن العمل لعجز السوق عن استيعابهم. كما تتجه السلطة إلى تهميش العلوم الإنسانية بدعوى أن العصر "عصر علم" وتتخلى عن مفهوم التكوين الشامل للتلميذ أو الطالب لتعويضه بمفهوم يرتكز على تلقينهما بعض المعلومات لـ"تدبير الراس" بعنوان "المقاربة بالكفايات". وفي هذا السياق ما انفكت الجامعة تفقد وظيفتها الأساسية كمركز للبحث وإنتاج المعرفة ليصبح الجامعي مجرد "مكوّن" أو "صنايعي" يعد الإطارات التي تتطلبها المؤسسة مستمدا قيمته من مدى حاجة هذه المؤسسة إلى البضاعة التي ينتجها. ومما زاد أزمة التعليم عمقا أن الدكتاتورية النوفمبرية تفرض هذه المشاريع فرضا على المعنيين ولا تسمح لهم بإبداء الرأي فيها. كما أنها استغلت الوضع لإفراغ برامج التعليم من كل ما يمكّن التلميذ/الطالب من تلقي تكوين فكري يربي عنده ملكة النقد ويهيئه للبحث وإنتاج المعرفة. وهي تخضع المدرسة وخاصة الجامعة للمراقبة البوليسية المباشرة لمنع أي نشاط فكري أو سياسي أو نقابي مما حوّل الكليات والمدارس العليا إلى ثكنات. وتمثل الجامعة التونسية من هذه الناحية حالة شاذة في العالم ناهيك أنه حتى في إيران الملالي سن البرلمان قانونا يحمي حرمة الجامعة ويمنع البوليس من دخولها. ولم تشهد الحريات الأكاديمية ما شهدته في عهد بن علي من دوس. ففي منشور بتاريخ 25 فيفري 1997 صادِرٍ عن وزير التعليم العالي "طُولب" العمداء ومديرو المعاهد العليا ومراكز البحث بإعلام وزارة الداخلية مسبقا بكل تظاهرة علمية ينظمونها مع مدها بقائمة المشاركين ونص مداخلاتهم. ومع ذلك لا يتورع بن علي عن الحديث عن "مجتمع المعرفة" وكأنه ممكن دون حرية ودون تكفل الدولة بالإنفاق عن التعليم والبحث. وأخيرا وليس آخرا لم ينفك بن علي يتلاعب بنتائج الامتحانات والمناظرات لأغراض سياسوية. فنسب النجاح تضخمت ليس ترجمة لتطور نوعي للتعليم وإنما لكسب التأييد السياسي. ورغم تضخم "النجاح" في كافة المستويات فإن ذلك لم يمكّن السلطة من طمس هشاشة النظام التعليمي، إذ يكفي ذكر تزايد المنقطعين عن الدراسة في كافة المستويات من سنة إلى أخرى. ففي سنة 2002 مثلا "لفظت" المدارس 116454 تلميذا وتلميذة، وفي العام الموالي ارتفع هذا الرقم إلى 126266. وفي الجامعة يذهب حسب البنك العالمي في تقرير نشر منذ سنوات، 43% من طلبة المرحلة الأولى ضحية نظام الخراطيش. وما من شك في أن الخيارات التربوية هذه التي اتبعها بن علي خطيرة على مستقبل بلادنا وشعبنا الذي لا يزال رغم كل الدعاية المضللة يعاني من نسبة أمية مرتفعة تبلغ 27% (منها 36,3% في صفوف الإناث و 17,7% للذكور) مع العلم أن بلدا مثل كوبا، استقل عام 1959 وكانت الأمية منتشرة فيه بنسبة مرتفعة جدا تمكّن منذ مدة من القضاء عليها حسب المصادر الدولية. وختاما ليس أدل على تدهور حالة التعليم من عدم ثقة مسؤولي النظام بمن فيهم بن علي وأفراد حاشيته بالمدرسة/الجامعة التي يروجونها وإلا ما الذي يجعلهم يبعثون أبناءهم وبناتهم إلى المدارس الفرنسية بتونس. ألم يكن الأجدر بهم إعطاء المثال في تكوين أبنائهم وبناتهم في المدارس العمومية التي تمثل وجه التعليم في البلاد.
وفي مجال السكن تحولت رغبة المواطن في كسب شقة أو منزل إلى فرصة للبنوك والشركات العقارية كي تنهبه وترهنه وهو ما يترجم عنه الارتفاع الجنوني لأسعار العقارات ومواد البناء وفائدة القروض الممنوحة للراغبين في بناء مسكن أو شرائه علاوة على ارتفاع الأكرية. ناهيك أن الكراء أصبح يمثّل أحيانا ثلث الراتب إن لم يكن نصفه أو أكثر. وكما في جميع المجالات فإن حفنة من المضاربين تحتكر الشركات العقارية، وكما في جميع المجالات فإن حفنة من الأثرياء، والمضاربين تحتكر أفخر القصور والمنازل والعمارات والشقق بينما يعيش قسم هام من العائلات التونسية بالمدينة والريف في ظروف سكنية قاسية بل مزرية مع ما ينجم عن ذلك من مشاكل صحية وأخلاقية وخلافات عائلية وإخفاق في الدراسة إلخ.. وليس أدل على هذا الواقع المتميز بالحيف من أن عدد المساكن في تونس قد بلغ 2.204.300 مسكنا في سنة 1999 لا يوجد من بينها سوى 1.835.700 مسكنا آهلا بالسكان بينما بقية المساكن ومجموعها 362 ألف مسكن غير آهلة بالسكان منها 128 ألف مسكن ثانوي و26 ألف مسكن شاغر معد للكراء و78 ألف مسكن شاغر لكنه غير معد للكراء والبقية بصدد البناء. وفي نفس الوقت توجد 264 ألف مسكن مكون من الأكواخ والخيم والبراكات وغرف "الوكايل" كما توجد 284.085 أسرة تسكن غرفة واحدة! وتفيد هذه الإحصائيات أيضا أن 104768 مسكنا تسكنه أسرتان أو ثلاث فما فوق ومعظم هذه المساكن توجد بالمناطق الحضرية. فلو لم يكن بن علي حاميا لمصالح الأثرياء والمضاربين العقاريين ما الذي يمنعه من توزيع المساكن الشاغرة على مستحقيها والتخفيض في أسعار الكراء ومنع المضاربات العقارية بشكل عام؟
وفي مجال النقل تمت خوصصة القطاع وهو ما أدى إلى بروز نوعين من النقل: الأول عمومي لا طاقة للمواطن على رداءته والثاني خاص لا طاقة للمواطن على ارتفاع أسعاره. مع العلم أن السلطات ما انفكت تستغل هذا الوضع للزيادة في معاليم النقل العمومي دون أن يطرأ عليه تحسن جوهري. فالغلاء وطول الانتظار والاكتظاظ هي العلامات الثلاث المميزة للنقل العمومي في بلادنا.
وفي مجال الكهرباء والغاز والماء والاتصال تمت خوصصة جملة من الخدمات. والحكومة ماضية في تدعيم هذه الخوصصة بما في ذلك خوصصة الماء الذي قد تفوز بخدماته إحدى الشركات الفرنسية التي تستغل إنتاج الماء في المغرب. وبطبيعة الحال فإن التفويت في هذه الخدمات الأساسية للخواص وتحويلها إلى مجال للاستثمار والربح قد أدى إلى ارتفاع أسعارها. كما أن دخول الرأسمال الأجنبي فيها مكنه من السيطرة تدريجيا على قطاعات حيوية واستراتيجية. وللتذكير فإنه في بلادنا وبعد حوالي النصف قرن من حكم الحزب الدستوري لا يزال حسب الأرقام الرسمية (إحصاء 1999 حول السكان والتشغيل) 238.643 مسكنا غير مرتبط بشبكة النور الكهربائي و659623 مسكنا غير مرتبط بشبكة توزيع المياه. وفي نفس الفترة لا يرتبط سوى 47,2% من المساكن بشبكة صرف المياه.
رابعا: تفاقم الاختلال بين الجهات وبين المدينة والريف وبين الأحياء الغنية والفقيرة
إن تفاقم الاختلال بين الجهات هو نتيجة أخرى من نتائج الـ17 سنة من حكم بن علي. إن التمييز بين الجهات وتحديدا بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية هو من ثوابت النظام الدستوري منذ حكم بورقيبة ويعود ذلك إلى أولا: عامل سياسي يتمثل في أن معطم قادة النظام من المناطق الأولى وهو ما يجعلهم يركزون اهتمامهم عليها لكسب دعمها السياسي فيعطونها الأولوية في الاستثمار وبعث المشاريع ومنح القروض وإيجاد مواطن الشغل ويعينون أبناءها في أهم المراكز والمسؤوليات السياسية والاقتصادية والثقافية ويمارسون عبرهم الهيمنة على الجهات والمناطق غير المحظوظة. وثانيا: عامل اقتصادي إذ أن أصحاب رأس المال المحليين والأجانب يوجهون استثماراتهم إلى المناطق الساحلية لأنها الأكثر تجهيزا والأيسر لتصدير منتوجهم والأضمن ربحا إضافة إلى ما يلقونه من تشجيع من السلطات للاستثمار فيها. وهو ما عمق الفوارق بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية في بلادنا خصوصا في ظل حكم بن علي. فقد ظلت المناطق الساحلية تستقطب معظم الاستثمارات العمومية والخاصة (أكثر من ¾ الاستثمارات) وتستأثر باهتمام السلطة في كافة المجالات. أما الجهات المتروكة والتي أصبحت تسمى في عهد بن علي "مناطق الظل" فهي تمركز أعلى نسب البطالة والتهميش والأمية والنزوح. إن مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الغربي التي لا يتجاوز عدد سكانها في عام 1999 تاريخ آخر مسح حول السكان والتشغيل ثلث مجموع السكان بالبلاد تجمّع حوالي 60,1% من العاطلين عن العمل و 45% من الأميين (أعلى نسبة بالوسط الغربي 42,5% مقابل نسبة وطنية بـ27%). كما أنها تمثل أهم مصدر للنزوح في اتجاه العاصمة (40 ألف خلال الفترة بين 94 و1999) والوسط الشرقي (32 ألف). وقد بلغ صافي الهجرة في الوسط الغربي وحده خلال نفس الفترة 41,1 ألف نسمة مقابل 23,9 ألف نسمة خلال الفترة 89-94 وهو ما يؤكد ازدياد الفقر والتهميش بهذه المنطقة. وإلى ذلك فإنه لا يوجد سوى طبيب واحد لكل 2478 ساكنا بالشمال الغربي، و2848 ساكنا بالوسط الغربي و2027 ساكنا بالجنوب الغربي، مقابل طبيب واحد لكل 1248 ساكنا على المستوى الوطني، وطبيب واحد لكل 676 ساكنا بإقليم تونس. وإلى حدود عام 2001 تاريخ الخارطة الطبية التي اعتمدناها توجد مناطق غير مجهزة بآلة "سكانار" مثل سليانة وتوزر وقبلي وسيدي بوزيد. كما أنه لا توجد ببعض هذه المناطق (سليانة، سيدي بوزيد، القيروان، قبلي، …) قاعة سينما واحدة. وإلى ذلك تشكو هذه المناطق من رداءة الطرقات ووسائل النقل.
وعوض أن يعتني نظام بن علي بهذه الجهات خصوصا أنها لا تنقصها لا الثروات الطبيعية ولا البشرية ويخصص لها المشاريع فإنه لم يجد لها من حل سوى "تنظيم الصدقة" لها عن طريق صندوق 26/26 المستعمل للنهب من جهة وللإشهار السياسي من جهة ثانية. فالأموال التي تجمع له في شكل أداءات غير معلنة لا أحد يراقبها. كما أنها تقدم إلى بعض الفئات منالمواطنين في شكل "هبات رئاسية". ولم تؤد هذه "الصدقات" إلى تغيير جوهري في واقع الجهات المحظوظة.
ولم تشهد العلاقة بين المدن والأرياف أي تحسن جوهري في عهد بن علي. فالمدينة لا تزال "تنهب" الريف. فهو يعطيها الحبوب والغلال والخضر والمياه وهي لا تعطيه أي شيء تقريبا. فمعظم المصانع الغذائية تقام في المدن وأبناء الريف وبناته محكوم على معظمهم بالبطالة. والقروض موجهة أساسا إلى دعم الفلاحين الكبار بينما الفقراء والصغار من الفلاحين يحصلون على قروض بؤس تستغلها البنوك لنهبهم. كما أن الاعتمادات المخصصة للأرياف سواء في مجال التعليم أو الصحة هي دون حاجاتهم بكثير. فأعلى نسب الأمية بالأرياف (40,6% مقابل 18,8% بالوسط الحضري) وأدنى نسب تواجد الأطباء والمصحات والمستشفيات بالأرياف ولا وجود لدور ثقافة أو قاعات سينما أو فضاءات مسرحية في أرياف تونس. وكذلك خدمات النقل والاتصال فهي شحيحة. ومن بين 238643 مسكنا غير مرتبط بالشبكة الكهربائية يوجد 158.553 بالريف. وعلى 659.623 مسكنا غير مرتبط بشبكة توزيع المياه يوجد 511.002 مسكنا بالريف ولا يوجد سوى 3109 من المساكن بالريف مرتبطة بشبكة التطهير. فأين ذهبت أموال الشعب خلال الخمسين سنة تقريبا من حكم حزب الدستور؟ ولا يجد أبناء الريف من مخرج سوى النزوح إلى المدن أو الهجرة إلى الخارج بحثا عن لقمة العيش. وقد تفاقمت هذه الظاهرة في عهد بن علي مما أصبح يهدد الأرياف التونسية بالانهيار.
ويمثل تعمق الاختلال بين الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة في المدنإحدى نتائج اختيارات بن علي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن لا يمكنه أن يلاحظ الاختلال المتفاقم بين هذين النوعين من الأحياء سواء كان ذلك في العاصمة أو في مدن تونس الأخرى؟ ويشمل هذا الاختلال كافة المجالات. فالعناية بالنظافة والتطهير والإنارة والمرافق الخاصة بالصحة والتعليم والرياضة والثقافة والأطفال لا تقارن. فأهم الاعتمادات على مستوى الحكومة والولايات والبلديات توجه إلى الأحياء الغنية على حساب الأحياء الفقيرة وهو ما زاد في تدهور ظروف سكانها الذين يعرفون أعلى نسب الأمية في المدن وكذلك الانقطاع عن الدراسة والبطالة والفقر والجريمة والمرض والهجرة إلى الخارج. ويكفي المرء أن يقارن الوضع بحي التضامن أو الملاسين أو الزهروني بالوضع بميتيال فيل أو قرطاج أو قمرت.
خامسا: تفاقم الجريمة والأمراض النفسية والعقلية وتأزم القيم
تفاقمت الجريمة في عهد بن علي بشكل مفزع. فالسرقة والنشل والاعتداء بالعنف والاغتصاب والاتجار بالمخدرات والتمعش من البغاء والقتل أصبحت ظواهر منتشرة في كافة أنحاء البلاد وخاصة في العاصمة وفي غيرها من المدن الكبرى. وهو ما جعل المواطن يفقد الأمن والأمان رغم العدد المهول من أعوان البوليس (واحد لكل 70 أو 80 مواطنا) المشغول بحماية حكم بن علي وحاشيته أكثر من حماية المواطن العادي. ولا تزال الحكومة تخفي الحقائق حول هذا الموضوع بعدم نشر الأرقام والإحصائيات للعموم. وتكفي الإشارة في هذا المجال إلى التطور المهول في عدد القضايا الواردة على المحاكم في السنوات الأخيرة. ففي السنة القضائية 1998-1999 مثلا بلغ عدد تلك القضايا 1.756.482 وقد ارتفع في السنة القضائية الأخيرة 2003-2004 إلى 2.158.492 قضية أي بزيادة 402.010 قضية. كما أنها ترفض الخوض في أسباب تفاقم الجريمة لإخفاء مسؤوليتها في ذلك وخاصة مسؤوليتها في انتشار البطالة والفقر والتهميش في نفس الوقت الذي تنتشر فيه قيم الربح السهل والسريع وتتفاقم العقلية الاستهلاكية وتختزل قيمة الفرد فيما يملك. وعوض البحث عن الحلول الجدية لمواجهة هذه الظاهرة المفزعة بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية اختارت السلطة حلا واحدا وهو الحل الأمني الذي فشل فشلا ذريعا في الحد من الجريمة فما بالك بالقضاء عليها. والأخطر من ذلك أن العديد من أعوان الأمن وجدوا في الجريمة مجالا للاستثراء سواء بالمشاركة المباشرة في العصابات أو في توفير الحماية لها مقابل أتاوات أو بالحصول على رشاو مقابل طمس آثار الجريمة.
ومن جهة أخرى تفاقمت الأمراض النفسية والعقلية في المجتمع التونسي خلال 17 سنة هذه من حكم بن علي. فقد تكاثر رواد المستشفيات والمصحات النفسية والعصبية. وف
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ