ان المحتوى الاجتماعي للحزب يستمد تركيبه من اختياراتنا الإيديولوجية ومن أفقنا الثوري، كما يبنى على ما استخلصناه من نتائج في تحليلنا للمواقف الأساسية لمختلف فئات المجتمع تجاه قضايا التحرر الكامل السياسي والاقتصادي ومشاكل بناء المجتمع الاشتراكي. فلا غرو أن نكون عن جدارة حزب الجماهير الكادحة الحضرية والقروية الذي يتجسد فيه التحالف بين العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين. فنحن حزب الشعب المغربي باستثناء الطبقات المستغلة من إقطاعيين وبورجوازيين طفيليين حلفاء الاستعمار الجديد وركائزه.


لماذا إصلاح الإسلام؟

كتبها mohamed elhanafi ، في 29 نوفمبر 2009 الساعة: 06:19 ص

 

لماذا إصلاح الإسلام؟
 
 
 
العفيف الأخضر

lafif.lakhdar@yahoo.fr
 
 

"
العَقّلَنَة الدينية ساعدت على عقلنة جميع التصرفات الاجتماعية"
ماكس فيبر

أمام الإسلام اليوم، أعني صناع القرار المسلمين، خياران: المراوحة في المكان أو الإصلاح. المراوحة في المكان أعطت على مرّ السنين حربا دائمة مع الذات وحربا مع العالم وحربا مع العلم وحربا مع الحداثة. إصلاح الإسلام يطمح إلى مصالحة الإسلام مع نفسه، ومع العالم الذي يعيش فيه، ومع العلم الذي يحقق اكتشافا مهما كل دقيقة بعضها يطرح على الوعي الإسلامي التقليدي أسئلة مُحرجة. ومع الحداثة بما هي مؤسسات سياسية وعلوما وقيما إنسانية كونية أي يسلِّم بسدادها ذوواالعقول السليمة أينما كانوا.
مصالحة الإسلام مع نفسه بوضع حدّ للتكفير سواء تكفير المثقفين أو الفرق الإسلامية الأخرى كالمتصوفة والدروز والعلويين والأحمديين والبهائيين والشيعة …. وبوضع حد للحرب السنية ـ الشيعية الدائمة التي توشك أن تتحول اليوم إلى سباق تسلح نووي بين إيران وجوارها السني حامل لأخطار الحرب النووية وذلكبقبول الفصل بين الديني والسياسي؛ مصالحة الإسلام مع العالم تتطلب منه إعادة تعريف عميقة لعلاقته به تُنهي تقسيمه إلى دار إسلام موعودة بالتوسع ودار حرب موعودة بـ"الجهاد إلى قيام الساعة" كما يقول حديث للبخاري يَتَلَقَّنه المراهقون في دروس التربية الإسلامية في عدة بلدان؛ مصالحة الإسلام مع العلم تقتضي نسيان الإعجاز العلمي في القرآن وقبول الفصل النهائي بين القرآن والبحث العلمي والإبداع الأدبي والفني؛ تمسك كثير من الفقهاء المعاصرين بأسطورة الإعجاز العلمي في القرآن دفعهم، مثلما دفع أسلافهم من الكهنة الكاثوليك في عهد محاكم التفتيش، إلى السقوط في الهذيان بما في ذلك الهذيان الدموي. مثلا، غداة استنساخ النعجة دولي، أصيب عدد من رجال الدين بالهذيان في اتجاهين، البعض مثل البروفسور والمؤرخ التونسي، محمد الطالبي، أكد بأن الاستنساخ جاء به القرآن، فلا بأس إذن من استنساخ الحيوان والإنسان ! أما البعض الآخر مثل رئيس علماء السعودية آنذاك، العُثَيْمين، فقد رأى فيه بالعكس، تحديا وجوديا للإعجاز العلمي في القرآن، فأفتى بتطبيق حدّ الحِرابة، قطع الأيدي والأرجل من خلاف، على مستنسخي دولي مضيفا، في نوبة هذيانية "وقيل يقتلون"! كما مازال أساتذة طب مصريون يوصون طلبتهم بتعلم حقائق البيولوجيا عن أصل الحياة "للإمتحان فقط فهي غلط في غلط وتنفيها حقائق القرآن الكريم عن الخلق"؛ وأخيرا مصالحة الإسلام مع الحداثة مع مؤسسات الحداثة السياسية: البرلمان، الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلوم الأديان التي تدرّسها جامعات العالم باستثناء معظم جامعات أرض الإسلام باستثناء تونس حيث غدا علم ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فوبيا “المقدس”

كتبها mohamed elhanafi ، في 29 نوفمبر 2009 الساعة: 06:15 ص

 

فوبيا "المقدس"
 
 
المصطفى صوليح*
بعيدا عن المساق المسيحي لمفهوم التقديس الذي يعتبره تحسينا تدريجيا للطبيعة البشرية للارتقاء بها من الحالة الإنسانية الساقطة إلى أوج الطهر العملي، في "لسان العرب" يسوق ابن منظور حول التقديس"إنه "تنزيه الله تعالى" و إنه "التطهير و التبريك" و إنه في صيغة جمع المتكلم "نظهر أنفسنا لك. و كذلك نفعل بمن أطاعك نقدسه أي نطهره"، و عن ابن الأعرابي ينقل ما مفاده أن "المقدس هو المبارك و الأرض المقدسة: الطاهرة". و في المعجم الوسيط جاء أن المقدس هو المبارك، كما جاء في المعجم الوجيز أن التقديس "قدس الله تقديسا: طهر نفسه له"،،،       و هكذا، ففي اللغة العربية بعد اسلمتها باعتمادها لغة للقرآن، إن التقديس لا يكون إلا لله وحده و ما أنزله و إن العصمة من الكبائر و كذا من الصغائر غير المقصودة أو من دون الإصرار عليها لا تكون إلا للأنبياء و الرسل. بل إن القرآن يأمر النبي محمد بـ"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي"، و بـ"قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا". و النبي نفسه يوصي الناس قائلا:"لا تعظموني كما عظمت النصارى ابن مريم"، و "أحثوا في وجوه المداحين التراب".
 غير أنه، في الحياة العادية، غالبا ما يدل التقديس على الرفع بقيمة الموضوع المعني به (كالأم، الوطن، المحبوب، الشريف، القائد، شيخ الطريقة أو الزاوية، الحزب، المنظمة، الإيديوجيا،،،) إلى مثابة المثال الأعلى غير القايل للطعن فيه أو خيانته،، مع الاستماتة في الدفاع عنه. و في ذلك، إنه شتان بين أن يعلن شخص أو مجموعة أو جماعة، بمحض "الإرادة" و "الوعي"، تقديس فكرة أو مبدإ أو شيء أو إنسان أو أسرة أو غير ذلك،،، و بين الاضطرار قسرا، دون الإرادة الحرة و ضدا على الوعي بإلغائه أو حظره، إلى تقديس تلك الفكرة أو المبدإ أو الشيئ أو الإنسان أو الأسرة أو،،، و هكذا، فالمقدس بالنسبة للمؤمن الممارس أو غير الممارس للشعائر الدينية هو الله و كتبه و ملائكته و رسله             و أنبياؤه، و هو بالنسبة للوثني مجمل أو بعض معتقداته، و هو بالنسبة للعلماني مخالفة للعقل  و التفكير الواقعي و تقييد لحرية الاختيار.
حصر كلمتي الإرادة و الوعي أعلاه بين مزدوجتين إنما للزعم بأنهما، في حالة غير مقاصد اللباقة و الاحترام، تعبير عن تفكير غير منطقي قد يعود مرده إلى حالة ذهنية ترتبط بتراكم العوائق و بالعجز الذاتي عن مجابهتها و بالإستسلام لتعويض وهمي عن تلك العوئق و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مشروع وثيقة من أجل بديل ديمقراطي وشعبي

كتبها mohamed elhanafi ، في 29 نوفمبر 2009 الساعة: 06:11 ص

 

مشروع وثيقة من أجل بديل ديمقراطي وشعبي
 
 
 
حزب العمال الشيوعي التونسي


contact@albadil.info
 
 
بمناسبة المهزلة الانتخابية

أكتوبر ‏‏2004‏

مشروع وثيقة من أجل بديل ديمقراطي وشعبي

حزب العمال الشيوعي التونسي



انتهت المهزلة الانتخابية ليوم 24 أكتوبر 2004 على النحو الذي كان متوقعا. فالتزوير الشامل والمنهجي قاد إلى بقاء بن علي في الحكم لولاية رابعة تفتح له باب الرئاسة مدى الحياة على مصراعيه. كما أنه أمّن للتجمع الدستوري الديمقراطي مواصلة الهيمنة على المؤسسة التشريعية وعلى الحياة العامة. وبهذه الصورة يجد الشعب التونسي نفسه بعد نصف قرن حوالي نصف قرن من حكم الحزب الدستوري محروما من ممارسة سيادته واختيار من يحكمه.

ومن المعلوم أن ترشح بن علي للرئاسة لم يكن ممكنا دون الانقلاب على الدستور الذي كُرس بواسطة استفتاء صوري في ماي 2002. كما أن استمرار هيمنة "التجمع" على الحياة العامة ما كان ليتحقق لولا توظيفه للدولة بكامل أجهزتها لذلك الغرض.

إن نتائج المهزلة الأخيرة جاءت لتؤكد مرة أخرى أن المسألة الديمقراطية لم تزل مطروحة برمتها وأنه من الوهم الاعتقاد بإمكانية حلها عن طريق الدكتاتورية النوفمبرية أو بالتعاون معها.

إن الهدف من هذا العمل الذي نقدمه إلى القراء هو إبراز الطابع غير الشرعي وغير المشروع لبقاء بن علي في السلطة وإظهار النتائج الحقيقية لـ17 سنة من حكمه وتوضيح السبيل، من وجهة نظرنا، لتغيير الوضع في مجتمعنا وبلادنا لما فيه مصلحة الطبقة العاملة والشعب التونسي عامة.



لا شرعية لسلطة مؤسسة على التزوير

لقد مثّل الجانب الرئاسي من المهزلة الانتخابية الأخيرة الرهان الأساسي الذي سعت الطغمة النوفمبرية إلى كسبه بكل الوسائل لا فقط لكون الرئاسة هي المؤسسة التي تسيطر صلب النظام القائم على كافة المؤسسات الأخرى مما يجعل المسك بها مسكا بالسلطة ككل كما هو الحال في سائر أنظمة الحكم الفردي المطلق، بل كذلك لإضفاء الشرعية على بقاء بن علي في الحكم والحال أنه مدعو إلى الرحيل لانتهاء الولايات الثلاث المسموح له بها حسب الدستور الذي كان نقحه بنفسه إثر انقلابه على بورقيبة في نوفمبر 1987.

وقد حاولت هذه الطغمة تمرير هذا الموقف اعتمادا على مبررين اثنين: أولهما "قانوني" وهو أن ترشح بن علي لولاية رابعة "شرعي" باعتباره تم على أساس تحوير للدستور "اِستُفتِيَ" فيه الشعب في ماي 2002 وزكّاه بأغلبية تقارب الـ100%. وثانيهما "سياسي" وهو يتمثّل في ما حققه بن علي من إنجازات مزعومة في كافة الميادين تجعله "خيار المستقبل" و"الضامن للنجاح"، وبالتالي فلا يجوز تخليه عن الحكم أو حسب عبارة بعض المرتزقة التي يستعيرونها من ميدان الرياضة:"الفريق الذي يربح لا يقع تغييره". وقد اعتبرت السلطة حصول بن علي في مهزلة 24 أكتوبر الماضي على نسبة الـ95% من الأصوات المزعومة نتيجة منطقية لـ"التفاف الشعب حوله".

I.
التلاعب بالدستور لا يكسب ترشّح بن علي وبقاءه في الحكم أية مشروعية المشروعية:

إن ترشح بن علي لولاية رابعة غير شرعي لأن الاستفتاء الذي بُني عليه هذا الترشح غير شرعي وذلك لسببين اثنين: أولهما يهم الظروف السياسية التي جرى فيها استفتاء 26 ماي 2002 وهي ظروف تتسم بغياب كلي للحريات السياسية وبقمع منهجي وشامل لكافة أشكال النقد والمعارضة وبتبعية الإدارة التامة للحزب الحاكم وبخضوع الجهاز القضائي للسلطة التنفيذية خضوعا مطلقا. ومن البديهي أنّ استفتاء يُنظّم في ظروف كهذه لا يمكن أن يعبّر بأي شكل من الأشكال أو بأي درجة من الدرجات عن الإرادة الشعبية إذ أن الشعب لا يمكن أن يمارس سيادته إلا إذا توفرت له الشروط الضرورية وفي مقدمتها الحرية السياسية وبالخصوص حرية التعبير والتنظّم. إن الدكتاتورية النوفمبرية لم تسمح لأي طرف معارض لهذا الاستفتاء أو حتى متحفّظ عليه من التعبير عن رأيه حتى لو كان معترفا به قانونا (الحزب الديمقراطي، حركة التجديد، …) رغم أن نسبة المشاركة في الاستفتاء كانت ضعيفة للغاية بشهادة عديد الملاحظين (17%). فقد زوّرتها ورفعتها إلى أكثر من 90% لإضفاء الشرعية على قرار سياسي طُبخ في مكاتب قرطاج. ومما يؤكد الطابع الصوري لهذا الاستفتاء أن بن علي وفريقه لم يحترما فيه حتى أبسط الشكليات القانونية. فالدّعوة إلى تنظيمه تمت بأمر رئاسي بينما كان من المفروض أن تتم بمقتضى قانون أي عن طريق السلطة التشريعية. وهو ما يجعله باطلا حتى من الناحية الشكلية.

أما السبب الثاني فيهمّ مضمون الاستفتاء. إن الجميع يتذكّر أن بن علي عندما أزاح بورقيبة وأخذ مكانه في نوفمبر 1987 صرّح بأن "لا رئاسة مدى الحياة مستقبلا" ونقّح الفصل 39 من الدستور لِئلاّ يتجاوز عدد ولايات رئيس الدولة الثلاث والفصل 40 لئلا تتعدى السن القصوى للمرشح للرئاسة الـ70 سنة. واعتبر هذا التنقيح "عودة بالجمهورية إلى أصولها" وحاول أن يجعل منه مبررا لانقلابه على بورقيبة ويصنع منه شرعيّة لنفسه. ولكنه ما أن شارفت ولايته الثالثة والأخيرة على النهاية حتى سعى إلى إلغاء ما كان أقرّه بالأمس فحوّر من جديد الفصل 39 لإلغاء مبدأ تحديد عدد الولايات والفصل 40 لرفع سن الترشّح إلى 75 سنة وهو ما يمكّنه من الترشّح لا لانتخابات 2004 فحسب بل كذلك لانتخابات 2009. وبما أن الانتخابات في بلادنا صورية فمعنى ذلك أن بن علي ينوي البقاء في الحكم إلى سنة 2014 على الأقل. ولا شيء ينفي إمكانية تلاعبه بالدستور مجددا لإلغاء السقف العمري المحدد حتى يبقى في الحكم بعد ذلك التاريخ. وما هذا في الواقع إلا رئاسة مدى الحياة.

ولم يكتف بن علي بتنقيح الفصلين المذكورين لضمان بقائه في السلطة بل إنه أضاف فقرة جديدة إلى الفصل 41 تمتعه بالحصانة القضائية أثناء ممارسة مهامه وبعد انتهاء مباشرته لها حتى لا يحاسب على كل ما ارتكبه هو وحاشيته وأعوان نظامه من جرائم على حساب الشعب. كما حوّر بعض الفصول الأخرى (الفصل 48 مثلا) لتعزيز صلاحياته على حساب السلطة التشريعية التي هي من الأصل مقزّمة بل مجرّد صدى لما يقرّره. وهكذا يمكن القول إن مضمون الاستفتاء يتلخص في ما يلي: رئاسة مدى الحياة مقرونة بحصانة قضائية مدى الحياة. مما يعني تكريسا واضحا للحكم الفردي المطلق. وأخيرا وليس آخرا وتحسبا لكل طارئ ترك بن علي باب الترشح للرئاسة مغلقا حتى لا ينافسه أحد بل إنه خوّل لنفسه بواسطة تنقيح جديد أدخله سنة 2003 على الفصل 40 من الدستور، اختيار من "ينافسه" أو بالأحرى من يقوم له بدور التيّاس لإضفاء تعددية زائفة على انتخابات رئاسية مزوّرة من الأساس.

إن تحديد عدد الولايات في الأنظمة الرئاسية في الديمقراطيات البورجوازية مثلا يهدف إلى الحيلولة دون تحوّل الرئاسة إلى حكم ملكي مُقَنّع. كما أن تحديد آليات لمراقبة أداء الرئيس لمهامه ومحاسبته ومقاضاته أو عزله عند اللزوم هو

ركن آخر من أركان الجمهورية التي يعلو فيها القانون على الجميع وهو ما يميّزها عن الحكم الفردي المطلق الذي لا رقيب عليه ولا حسيب. وفي نفس الوقت فإن ضمان حرية الترشح لمنصب الرئاسة لكافة المواطنات والمواطنين لا يمثّل احتراما لحق أساسي من حقوق المواطنة فحسب وهو الحق في الترشح للمناصب العامة ولكنه أيضا مقومة أساسية من مقومات ممارسة الشعب لسيادته مما يجعله قادرا على الاختيار الحر لمن يمثله أو يحكمه. ولا بد من التذكير بأن النظام الرئاسي لا يمثل رغم هذه التقييدات أكثر النظم ديمقراطية في الجمهورية البورجوازية لما يمنحه من سلطات للرئيس الفرد.

إن انتهاك بن علي للمبادئ التي ذكرناها وتقنين هذا الانتهاك عبر استفتاء مزور من الأساس لينزع عن هذا الاستفتاء كل مشروعية لا من زاوية المبادئ الديمقراطية العامة فحسب بل حتى من زاوية الدستور التونسي على نواقصه ورغم افتقاده لأية قيمة بسبب التلاعب المستمر به. فالفصل 76 من هذا الدستور لئن أعطى رئيس الدولة وثلث أعضاء مجلس النواب على الأقل الحق في تقديم مشاريع لتنقيح الدستور فإنه اشترط صراحة أن لا تمس هذه المشاريع بـ"النظام الجمهوري للدولة" ولا نخال الرئاسة مدى الحياة وتمتيع الرئيس بحصانة قضائية أثناء مباشرته لمهامه وبعدها ومنع حرية الترشح للرئاسة من أسس النظام الجمهوري بل إنها تعزيز سافر لحكم فردي مطلق قائم في تونس منذ عهد بورقيبة.

وفي الواقع فإن بن علي كرر ما كان قام به بورقيبة سنة 1974 حين أوشكت ولايته الثالثة والأخيرة على النهاية مع فارق في الشكل. فإذا كان بورقيبة أعلن نفسه صراحة رئيسا مدى الحياة فإن بن علي ومراعاة لاختلاف الظروف، أعلنها رئاسة مدى الحياة مقنـّـعة. وإذا كان الأول اكتفى بتمرير القرار عبر مجلس النواب فإن الثاني مرره عبر استفتاء صوري على أمل أن يكسبه في الظاهر قوة قانونية أكبر.

إن الشعب التونسي، لو كان يتمتع بالحرية السياسية ما كان ليسمح بإجراء مهزلة كهذه بل إن بن علي ذاته ما كان ليجرأ على استفتائه حول مسائل كهذه تضرب حقوقه في الصميم. إن الغياب التام للحرية السياسية وانعدام ممارسة الشعب لسيادته هما اللذان جعلا بن علي يقدم على تنظيم استفتاء 26 ماي 2002 المهزلة لأنه يعلم أن بوليسه وإدارته، لا الإرادة الشعبية، هما اللذان يحددان مسبقا نتيجته عبر التزوير المنهجي والشامل ومن البديهي أن مثل هذا التلاعب بالسيادة الشعبية لا يكسب ترشح بن علي لولاية رابعة وبقاءه في الحكم أية مشروعية.

II. 17
سنة من حكم بن علي: دكتاتورية، استغلال، فساد وعمالة

إن المبرر الثاني لتمكين بن علي من ولاية رابعة، وهو مبرر سياسي، مثله مثلالمبرر الأول مردود. فحتى على فرض أن نتائج 17 سنة من حكم بن علي إيجابية فإن ذلك لا يمثل بأي حال من الأحوال سببا مشروعا للبقاء في الحكم مدى الحياة أو حتى للترشح لولاية رابعة أو لعدم الاحتكام للشعب عبر انتخابات حرة حقا لأنه لا يمكن ربط مصير شعب بأكمله بفرد لما في ذلك من احتقار لذكاء هذا الشعب وامتهان لقدرته على إنتاج قادة أكفاء يختارهم لتسيير شؤونه. هذا كما قلنا إذا كانت النتائج حقا إيجابية فما بالك إذا كانت سلبية في كافة المجالات!! إن بن علي هو الذي زعم أن الـ 17 سنة من حكمه "إيجابية"، وليس الشعب التونسي الذي لم يكن له فوق ذلك أي دور بحكم حرمانه من حقوقه الأساسية، لا في صياغة الاختيارات التي سار عليها بن علي ولا في الإشراف على تنفيذها ولا في تقييمها. إن ما يقوله بن علي على نفسه أو ما يقوله عنه المحيطون به والمصفقون له يناقض الواقع الذي يشهد على ضرورة رحيله لا بقائه.

أ -في المجال السياسي: تدعيم الحكم الفردي، تفاقم القمع، دوس السيادة الشعبية

ففي المجال السياسي لم يحقق بن علي لا الحرية ولا الديمقراطية للشعب التونسي بل إن الشيء الوحيد الذي نجح فيه بحكم تكوينه المخابراتي وتجربته الطويلة على رأس جهاز الأمن في نظام بورقيبة هو تحويل تونس إلى سجن كبير، إلى بلد يشار إليه بالإصبع في كافة أنحاء العالم باعتباره موطنا لإحدى الدكتاتوريات البوليسية الرهيبة التي لا تزال قائمة إلى اليوم. فقد عزّز بن علي الحكم الفردي المطلق. فجمّع بين يديه على غرار سلفه بل أكثر منهكافة السلطات مما جعله يتصرّف في تونس بجهاز بوليسي ضخم (136 ألف عون) لمراقبة المواطنين والاستبداد بهم وقمع كل خروج على الصف. ودعّم هيمنة الحزب الحاكم على الدولة وجعل من الانتماء إليه شرطا أساسيا للتمتع بأبسط الحقوق المدنية كالشغل والسكن والمنحة الدراسية والرّخص. وسخّر القضاء بشكل لا سابق له لحماية مصالحه ومصالح عائلته والأقلية الفاسدة التي يستند إليها في حكمه. وعزّز ترسانة القوانين الفاشستية لتكميم أفواه التونسيات والتونسيين في الداخل والخارج. وقد استغل الحملة الدولية التي تشنها الإدارة الأمريكية بعنوان "مكافحة الإرهاب" للغلوّ في تجريم كل معارضة لنظامه واعتبارها "عملا إرهابيا". كما أنه لم يتورع أخيرا عن إصدار قانون باسم "حماية المعطيات الشخصية" يسمح للإدارة بانتهاك ما يتعلق منها بالمواطن ولكنه يجرّم كل من يفضح أعمال الفساد والنهب والإثراء غير المشروع لـ"العائلة الحاكمة" والمقربين منها. واستمر في انتهاك مبدأ السيادة الشعبية جاعلا من الانتخابات مجرد عملية صورية معروفة النتائج مسبقا ومن المؤسسات الناجمة عنها أدوات طيعة بيده تنفّذ أوامره، وحوّل المعارضة الرسمية إلى مجرّد ديكور يضفي به على نظامه طابعا تعدّديا زائفا. وقمع الأحزاب والمنظمات والجمعيات التي حاولت بهذه الدرجة أو تلك الحفاظ على استقلاليتها، ودجّن الحركة النقابية وحوّل الاتحاد العام التونسي للشغل ومعظم المنظمات المهنية إلى هياكل فارغة تأتمر قياداتها بأوامره وتنفّذ سياسات نظامه لأنها مدينة بوجودها وبقائها له ولبوليسه وإدارته لا إلى قواعد التنظيمات التي تزعم تمثيلها. واحتكر وسائل الإعلام ووصل قمعه لحرية التعبير والصحافة إلى درجة أنه ما انفك منذ عام 1998 يُرَتـَّب ضمن العشرة رؤساء دول وحكومات الأوائل في العالم في مجال معاداة حرية الصحافة وتونس ضمن المجموعة الأخيرة من دول العالم التي تمثل المنطقة السوداء في خارطة أوضاع حرية الصحافة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ. فقد أُطردت جمعية مديري الصحف التونسية من "الجمعية العالمية لمديري الصحف" (جوان 1997) وجُمّدت عضوية الجمعية التونسية للصحفيين في الفدرالية الدولية للصحفيين (مارس 2004) لنفس السبب وهو الإخلال بواجب الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين في تونس والتواطؤ مع الدكتاتورية في انتهاكهما. وملأ السجون بالمعارضين ناهيك أن ما بين 35 ألف و40 ألف مواطن اعتقلوا خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة لأسباب سياسية. وسبّب هجرة الآلاف من المعارضين للعيش في المنفى. وجعل من ممارسة التعذيب أسلوب حكم أودى بحياة العشرات من المعارضين وخلّف عاهات جسدية ومعنوية للآلاف منهم مما جعل الحديث عن تونس في تقارير المنظمات والهيئات الإنسانية مقرونا بشكل دائم بالحديث عن التعذيب فيها الذي كان سببا في حصول بن علي على إدانة في مناسبتين (1998-1999) من لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. وإلى ذلك أصبح الاعتداء على النشطاء من النساء والرجال في كافة المجالات السياسية والحقوقية والنقابية والثقافية وتشويههم عبر حملات صحفية ممولة من وزارة الداخلية ظاهرة بارزة في عهد بن علي. وأخيرا وليس آخرا أخضع هذا الأخير كافة المواطنين للمراقبة البوليسية في مختلف مجالات حياتهم الخاصة والعامة. فالتنصّت على المكالمات الهاتفية ومراقبة المراسلات وشبكة الأنترنيت وجهاز الفاكس أصبحت أمرا يندرج ضمن الحياة العادية للتونسي.

وباختصار شديد فإن الشعب التونسي يجد نفسه بعد 17 سنة من حكم بن علي محروما من أبسط حقوقه الأساسية، مستثنى من المشاركة في الحياة السياسية، يعيش أفراده في وضع الرعية لا في وضع المواطنة يلازمهم الخوف على حريتهم وعلى حرمة أجسادهم وموارد رزقهم وخفايا حياتهم الخاصة فضلا على حرمة عائلاتهم ومصير بناتهم وأبنائهم. إن الحرية والديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات التي وعد بها بن علي لم تكن سوى وهم إذ الواقع عسف وتسلط وغطرسة.

ب – في المجال الاقتصادي: تبديد الممتلكات العمومية، تعميق الهشاشة والتبعية، سوء الإدارة والتصرّف

إن النتائج الاقتصادية لـ17 سنة من حكم بن علي لا تقل سوء عن النتائج السياسية رغم الدعاية المضلّلة التي يقوم بها النظام وبعض الأوساط السياسية والمالية الأجنبية المنتفعة من وجوده. فالتونسي يسمع باستمرار حديثا عن "المعجزة الاقتصادية التونسية" وعن نعت تونس بـ"القوة الاقتصادية الصاعدة" وبـ"نمر شمال إفريقيا". ومن بين الآراء الشائعة أيضا لدى تلك الأوساط ولدى صنف من الصحفيين والإعلاميين والمراقبين الأجانب أن بن علي إذا كانت "حصيلة حكمه في المجال السياسي قابلة للنقد لاتسامها بـ"إفراط غير مبرر في التشدد" فإن الحصيلة الاقتصادية إيجابية ونموذجية" ويخلصون إلى أن تونس لا تحتاج إلا إلى بعض الإصلاحات السياسية لتحقق التقدم المناسب لتقدمها الاقتصادي. ومثل هذا الكلام كان قيل عن بينوشي دكتاتور الشيلي الدموي (1973-1991) وكأنه توجد قطيعة بين الاقتصاد والسياسة، بل إن هذا الموقف الذي لا يخدم إلا مصالح الدول والشركات الاحتكارية الامبريالية وعملائهم في تونس يهدف إلى طمس حقيقة أن الدكتاتورية بما تعنيه من قمع للحريات وإلغاء لمبدأ السيادة الشعبية وانتهاك لحقوق الإنسان ما هي إلا إطار سياسي لتكثيف استغلال الشعب ونهب خيراته لفائدة أقلية من مصاصي الدماء دون أن تكون له إمكانية الدفاع عن حقوقه بأي وسيلة من الوسائل. فالنتائج الاقتصادية الإيجابية، إن وُجدت حقا، هي لفائدة من؟ وعلى حساب من تحققت؟ هذا هو السؤال الذي يقع يتجاهله. إن الحكم على أي سياسة اقتصادية لا يتم إلا من زاوية قدرتها على الاستجابة الفعلية لمقتضيات النهوض بالبلاد في مختلف المجالات وإخراجها من دائرة التبعية للدول والاحتكارات الامبريالية أوّلا وعلى تلبية حاجات الشعب الأساسية المادية والمعنوية ثانيا وليس من زاوية ما توفره من منافع لأصحاب رأس المال المحليين والأجانب.

لقد واصل بن علي منذ إزاحته لبورقيبة في نوفمبر 1987 تطبيق "برنامج الإصلاح الهيكلي" الذي تم الشروع في تنفيذه قبل عام بتوصية من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. كما أردف هذا البرنامج بآخر مملى من الاتحاد الأوروبي وهو "برنامج التأهيل الشامل" (1995) في إطار "اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية" التي تهدف إلى خلق منطقة تبادل حر مع تونس، أي تحويلها إلى مجرد سوق للرساميل والبضائع الأوروبية وبالانخراط في منظمة التجارة العالمية التي تحددت توجهاتها وأهدافها حسب مصالح الدول والشركات الاحتكارية الامبريالية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وقد كان لهذه الاختيارات الاقتصادية التي تندرج ضمن النهج الرأسمالي المتوحّش الذي يسود عالمنا نتائج وخيمة على الاقتصاد التونسي يمكن حوصلة الأساسي منها في النقاط التالية:

1)
لقد تم تبديد الممتلكات العمومية بعنوان "الخوصصة" التي شملت كافة القطاعات بما فيها الاستراتيجية كالإسمنت والكهرباء والغاز والاتصال والنقل. ومن المنتظر أن تشمل قريبا الماء. وقد استأثر الرأسمال الأجنبي إلى حد الآن بـ75% من عائدات هذه الخوصصة وهي حصة قابلة للارتفاع مع خوصصة عدد جديد من المؤسسات وهو ما سيمكّن أصحاب الرأسمال الأجانب دولا وشركات وبنوكا من مزيد السيطرة على مصائر البلاد وتجريد الشعب التونسي من كل إمكانية للتحكم في خيرات بلاده وثرواتها للنهوض بأوضاعه وضمان مستقبل أبنائه وبناته وهو الهدف الحقيقي من سياسة الخوصصة التي أملتها مؤسسات النهب الدولي ويطبّقها صاغرا ذليلا نظام بن علي الذي خصته تلكالمؤسسات بصفة "أنجب تلاميذها" في المنطقة.

2)
وإلى ذلك فقد تفاقمت هشاشة الاقتصاد التونسي في عهد بن علي بسبب توجه النشاط الاقتصادي عامة إلى القطاعات غير المنتجة (الخدمات) على حساب القطاعات المنتجة بحثا عن الربح السهل والسريع. ناهيك أن مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج الداخلي الخام تراجعت سنة 2002 إلى حدود 10,4 % ولم تتجاوز مساهمة قطاع الصناعة والمناجم 29,1 % بينما بلغت مساهمة قطاع الخدمات 60,5%. ومن النتائج الخطيرة لهذا التوجه هو أن الاقتصاد التونسي أصبح أكثر من أي وقت مضى اقتصاد خدمات والبلاد تعيش أكثر فأكثر من الاستيراد وهو ما يعمق تبعيتها ويرهن مستقبلها ومستقبل أبنائها وبناتها بمراكز القرار الأجنبية، دولا ومؤسسات وشركات استعمارية.

3)
وخلافا لما زعمت السلطة فإن اعتماد "برنامج الإصلاح الهيكلي" لم يؤد إلى التخفيف من عبء المديونية الخارجية لتوفيرظروف أنسب لتطور الاقتصاد التونسي وحتى لا تبقى ثمرة مجهود البلاد مخصصة لتسديد الديون بل إن النتائج أكدت تفاقمها إذ أنها زادت في ما بين 1987 سنة وصول بن إلى الحكم، و2002أي بعد 12 سنة من حكمه بنسبة 3,6 مرات. ومن الملاحظ أن نسق تطور خدمة المديونية الخارجية كان خلال العشر سنوات الأخيرة أهم من نسق تطور الناتج الداخلي الخام (62,2% مقابل 43,4%) وأن ما تقترضه بلادنا حاليا لا يغطي حتى فاتورة خدمة الدين المسددة سنويا فما بالك بتحقيق مشاريع تنموية. وهو ما يؤكد أن بلادنا تغرق في التداين وبالتالي في التبعية وهو ما يسمح بتكثيف نهبها واستغلال أبنائها وبناتها.

4)
وفي نفس السّياق لم يسجل الميزان التجاري تحسنا ذا مغزى من شأنه أن يبرر اختيارات السلطة. فعجز الميزان التجاري متواصل. كما أن انخراط تونس في المنظمة العالمية للتجارة وإبرامها لاتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي من أجل خلق منطقة للتبادل الحر وما نتج عن ذلك من تحرير للمبادلات وإلغاء تدريجي للمعاليم الجمركية أدى إلى تدمير تدريجي للنسيج الصناعي المحلي لعدم قدرة المؤسسات التونسية التي تغلب عليها المؤسسات الصغرى والمتوسطة على المنافسة. وإلى ذلك فإن إنشاء الفضاءات التجارية الكبرى التي تمثل فروعا لاحتكارات تجارية عالمية أضر كثيرا بصغار التجار. وبشكل عام تتجه الحالة إلى التعكر مع اقتراب دخول تفكيك الاتفاقية المتعددة الألياف الخاصة بالنسيج حيز التطبيق في شهر جانفي القادم ودخول الصين إلى المنظمة العالمية للتجارة في مطلع السنة المقبلة والتحرير التام للمبادلات مع الاتحاد الأوروبي في سنة 2008.

5)
ومما زاد الطين بلة غياب التسيير الرشيد للنشاط الاقتصادي. ويتجلى هذا الغياب في:

أولا: التسيير البيروقراطي للحياة الاقتصادية وما يعنيه من تغييب للشغالين وللشعب عامة في تقرير الاختيارات الاقتصادية ومراقبة تنفيذها وتقييم نتائجها وفي كيفية صرف الأموال العمومية حيث تنعدم الشفافية.

وثانيا: تفاقم ظاهرة الفساد التي أصبحت في عهد بن علي ركيزة من ركائز النظام يمثّل أفراد "العائلة المالكة" والمقربون منها الطرف الضالع فيها رئيسيا. وهي تتمثـّل في استغلال هؤلاء نفوذ بن علي للحصول على عمولات هامة من التوسّط في الصفقات العمومية واستغلال عملية الخوصصة للاستحواذ على مؤسسات وأراض عمومية بأثمان بخسة واحتكار بعض الأنشطة بتواطؤ من الإدارة والبوليس والقضاء ومشاركة قسرية في المشاريع الرابحة واستئثار بالتجارة الموازية وافتكاك الممتلكات الخاصة، والأهم من ذلك تخريب النظام البنكي التونسي بما يحصلون عليه من قروض دون ضمانات وبالتالي مشكوك في تسديدها. وتمثّل البنوك العمومية التي يمولها الشعب أكثر متضرر من ذلك. وبما أن "البلاد على قيادها" فقد تفشت ظاهرة الرشوة في كافة المستويات من إدارة وبوليس وقضاء إلى حد أنها أصبحت وسيلة أساسية لقضاء أبسط الأمور. وثالثا: فساد النظام الجبائي: فرغم أن هذا النظام صيغ لفائدة أصحاب رأس المال فإنهم لا يتوانون عن استنباط ألف طريقة وطريقة للتهرب من دفع الضرائب، إضافة إلى أن السلطة تستعملها وسيلة للضغط السياسي. فالذين يؤيدون الدكتاتورية النوفمبرية ويقدمون الرشاوي لرموزها يُغَضّ الطرف عنهم أما الذين ليس لهم "سند" أو يرفضون الخضوع للابتزاز فيتعرضون للعسف الجبائي بغية إرضاخهم أو تفليسهم. وما من شك في أن غياب الشفافية وسيادة منطق الجور والتعسف لا يساعد على تطوير النشاط الاقتصادي حتى في نطاق النظام الرأسمالي نفسه لانعدام الضمانات كما كان الحال زمن البايات.

وخلاصة القول إن السياسة الاقتصادية التي اتبعها بن علي، والتي هي كما ذكرنا مملاة عليه من الدوائر الامبريالية، لم تخرج البلاد من التخلف الهيكلي الذي يعاني منه اقتصادها بما يعنيه من تبعية وهشاشة وتفكك بل على العكس من ذلك فقد تعمقت هذه المظاهر مما سد الباب أمام إمكانية تحقيق تونس لنهوض شامل مستقل ومتماسك. ولا يوجد في الأفق ما يؤشر لإمكانية الخروج من هذا النفق بل إن كل الدلائل تشير إلى أن الاقتصاد التونسي تنتظره رجّات عنيفة رغم أن السلطات تحاول بكل الوسائل طمس هذه الحقيقة لتزوير الأرقام أو تجميلها كما هو الحال بالنسبة إلى معدلات النمو والعجز المسجل في ميزانية الدولة والتضخم إلخ.



ت – في المجال الاجتماعي: الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا

أما في المجال الاجتماعي فقد أدى النهج الاقتصادي الذي اختاره بن علي إلى نتائج خطيرة، ذلك أنه إن كان هذا النهج قد عاد بالنفع على أثرياء تونس وخاصة المقربين منهم من القصر وعلى أصحاب رؤوس الأموال الأجانب فإنه ألحق أضرارا فادحة بالشعب التونسي بكامل طبقاته وفئاته الكادحة.

فبعد 17 سنة من حكم بن علي أصبح أصحاب الملكية على قلتهم يستأثرون بـ56% من الناتج الداخلي الخام مقابل 40% في السبعينات. كما تعود إليهم نسبة 60% من مصاريف الاستهلاك الوطني وبالمقابل فإن مساهمتهم في الجباية لا تتعدى 11 أو 12%. أما الأجراء فإن نصيبهم من الناتج الداخلي الخام نزل من 54,9% عام 1970 إلى 29% في التسعينات رغم أن عددهم ازداد كثيرا. كما أن نصيب 80% من السكان من مصاريف الاستهلاك الوطني لا يتجاوز 20% ومع ذلك فهم يدفعون ما لا يقل عن 85% من معاليم الجباية. إذن فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا. هذه هي الحقيقة التي تتردد اليوم على أفواه كافة أبناء الشعب وبناته الذين دمر حياتهم:

أولا: الغلاء الجنوني للأسعار مقابل النسق الضعيف لتطور أجورهم ومداخيلهم ناهيك أن أصحاب الأجر الأدنى في القطاعين الصناعي والفلاحي مثلا خسروا ما بين 1983 و2003 على التوالي 23,04% و13,80% من مقدرتهم الشرائية وبالتالي فإنهم لم يحرموا فقط من تحسين معيشتهم بل حرموا حتى من الحفاظ على مستوى عيشهم السّابق وقد أصبح الأجر الأدنى على محدوديته حلم عشرات الآلاف من الشغالين الذين مكنت المراجعة المتتالية لقوانين الشغل أصحاب رأس المال من تكثيف استغلالهم مقابل أجور بؤس لا تتجاوز في الغالب حتى 80 أو 100 دينار. وقد دفع غلاء تكلفة العيش بأعداد كبيرة من الأجراء إلى العيش بالديون لدى البنوك والمؤسسات التي يعملون بها ومراكز البيع بالتقسيط بل إن الواحد منهم أصبح مضطرا إلى البحث عن شغل ثان وثالث على حساب راحته وصحته لتأمين عيش العائلة ومصاريف تعليم "الأولاد" وتسديد الديون المتراكمة. ومن البديهي أن المستفيد من هذا الوضع هم مصاصو دماء الشعب لأن الدينار الذي يخرج من جيب المواطن يذهب مباشرة إلى جيوبهم.

ثانيا: تفاقم البطالة والتهميش ومظاهر البؤس

إن 17 سنة من حكم بن علي لم تزد ظاهرة البطالة والتهميش إلا حدة واتساعا. فالشغل ليس حقا أساسيا من حقوق المواطنة يضمنه المجتمع وبالتالي الدولة لمواطنيها ومواطناتها لسد حاجاتهم وضمان كرامتهم بل هو "امتياز" كما جاء على لسان بن علي في مطلع التسعينات الذي يوافق انطلاق الهجمة الشرسة التي شنتها الدكتاتورية النوفمبرية على حقوق الشعب السياسية والاجتماعية ". ومن هذا المنطلق أصبحت مسؤولية البحث عن الشغل ملقاة على كاهل الفرد كما أصبح العاطل عن العمل مسؤولا على عطالته وهي طريقة لتبرير تخلي الدولة عن واجباتها خصوصا أنها قلصت الاستثمارات والنفقات العمومية وإطلاق يد أصحاب رأس المال المحليين والأجانب لتكثيف استغلالهم لليد العاملة والتصرف فيها كما يشاؤون بعنوان "مرونة التشغيل". وفي هذا السياق يسرت مراجعة قانون الشغل الطرد الجماعي للأجراء. كما ترك العمل القار تدريجيا مكانه لأنماط من العمل الهش كالعمل الوقتي والعمل الجزئي إضافة إلى العمل بالمناولة وما يعنيه من سمسرة فظيعة باليد العاملة. وإذا كانت الحكومة تقر بنسبة بطالة تتراوح بين 15 و16% (مقابل 13% سنة 1987) فإن أهل الاختصاص يقدرونها بحوالي 20 أو 25% تضاف إليها نسبة هامة من الذين يقومون بأنشطة هامشية وغير قارة. ولقد طالت البطالة لأول مرة في عهد بن علي حاملي الشهادات العليا الذين أصبحوا يمثلون حسب الأرقام الرسمية 6,3% من جملة العاطلين عن العمل بينما ترتفع نسبة ذوي مستوى التعليم العالي بشكل عام إلى 12,1% (2002). ولم يعد الذين يعملون في مأمن من البطالة إذ أصبح الطرد الجماعي ظاهرة مفزعة ناهيك أن عدد المطرودين سنويا منذ عام 1986/1987 لا يقل عن 10 آلاف حسب الحكومة و13 ألف حسب المصادر النقابية وتحديدا خلال السنوات الأخيرة. ولا يمكن الاعتقاد أن ظاهرة الطرد وبالتالي البطالة ستخف في القادم من الأيام لا لكون الظروف العالمية ستزيد سوءا (تفكيك الاتفاقية المتعددة الألياف في مطلع العام القادم وانعكاساته السلبية على قطاع النسيج، دخول الصين المنظمة العالمية للتجارة، إعادة توجيه الاستثمار الأوروبي نحو بلدان أوروبا الشرقية الملتحقة أخيرا بالاتحاد…) فحسب بل لإمعان بن علي في تطبيق نفس الاختيارات الرجعية المولدة للبطالة، ولعدم جدية الحلول التي يطرحها لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية مثل صندوق 21/21 أو بنك التضامن التي لا تعدو أن تكون مسكنات ظرفية ناهيك أن بن علي عوض أن يوجه المساعدات والتشجيعات إلى العاطلين عن العمل فهو ممعن في توجيهها إلى أصحاب رأس المال بدعوى حثهم على خلق مواطن الشغل بينما هم يستخدمونها لمزيد الإثراء دون أن يغيروا شيئا من واقع البطالة.

وإلى جانب تكاثر عدد العاطلين عن العمل تجدر الإشارة إلى أن حوالي 1.048.000 نسمة، حسب إحصائيات للبنك الدولي لسنة 2000، في الفقر أو الخصاصة. وقد تفاقمت نتيجة ذلك مظاهر البؤس في المدن والأرياف حيث تكاثر عدد المتسولين والمشردين في الشوارع والأسواق وأمام المساجد والمستشفيات ومحطات النقل من بينهم أطفال ونساء وشيوخ وحتى شبان وكهول.



ثالثا: تدهور الخدمات الاجتماعية

إن تدمير الخدمات الاجتماعية هو إحدى النتائج الأساسية لسياسة بن علي الاقتصادية. فهو ما انفك، تطبيقا لتوصيات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي يقلص من حجم التمويل العمومي لقطاعات الصحة والتعليم والنقل والسكن. إن المنطق الرأسماليالوحشي يعتبر النفقات المخصصة لهذه الخدمات أموالا "ضائعة" لأنها لا تذهب إلى جيوب أصحاب رأس المال. وبعبارة أخرى فهذه الخدمات لا ينظر إليها كحق أساسي من واجب المجتمع وبالتالي الدولة السهر على توفيرها لكل فرد تكريسا للمساواة وضمانا للمقومات الدنيا للعيش الكريم بل ينظر إليها كـ"عبء" على الدولة أن تتخلص منه لتلقي به على كاهل الفرد ولتوفر الفرصة لأصحاب رأس المال المحليين والأجانب كي يحوّلوا تلك الخدمات إلى مجال للاستثمار يعود عليهم بالربح الوفير. وهو ما أدى إلى تفاقم شتى أشكال الحيف والتمييز علاوة على ما في الأمر من مخاطر على مستقبل المجتمع بأسره.

ففي مجال الصحة خوصص بن علي القطاع وفتحه للاستثمار الرأسمالي فتكاثرت المصحات الخاصة ذات الطابع التجاري التي تتحكم فيها مافيا طبية لا يهمها إلا ما تجنيه من أرباح على حساب المرضى. كما أنه قلص مساهمة الدولة في ميزانية الصحة العمومية ناهيك أنها نزلت من 43% سنة 1987 إلى 32% سنة 1999 بينما ارتفعت مصاريف الأسر في نفس الفترة من 42% إلى 48% وهو ما كان له أسوأ الأثر على الخدمات التي تقدمها المستشفيات العمومية بسبب فقدانها للإطارات والتجهيزات والأدوية الضرورية مما أصبح يشكل ضغطا غير مباشر على المواطن كي يتوجه إلى القطاع الخاص مع العلم أن السلطات سعرت تلك الخدمات وحدت من عدد المنتفعين بها مجانا وأثقلت كاهل المؤمنين بالزيادة في مساهمتهم في التأمين على المرض. وإلى ذلك فقد ارتفعت أسعار عيادات الأطباء ناهيك أن أجرة الطبيب العام ارتفعت من 5 دنانير سنة 87 إلى 15 دينار سنة 2004. وخلال نفس الفترة ارتفعت أجرة الطبيب الاختصاصي من 15 دينار إلى ما بين 30 دينار و40 دينار حسب الاختصاص. كما ارتفعت تسعيرة الولادة من 150 دينار إلى 500 دينار والعمليات القيصرية من 500 دينار إلى 1000 دينار وشهدت الأدوية بدورها ارتفاعا مشطا. وليس أدل على ذلك من أن بعض الأدوية (غونادتروفين كوريونيك 5000) ارتفع سعره خلال 2004 فقط من 2650 مليم إلى 11644 مليم! كما ارتفع سعر التيتاغام من 7464 مليم إلى 11878مليم وسعر المونوتاست من 2500 مليم إلى 6232 مليم. وبطبيعة الحال فإن المتضرر من هذا الوضع هم الطبقات والفئات الكادحة والفقيرة مما خلق وضعا يتميز بوجود نوعين من العلاج: واحد للفقراء وآخر للأغنياء وهو ما عمّق عدم المساواة أمام المرض وبالتالي عدم المساواة في الحياة الذي أصبح مرهونا أكثر من أي وقت مضى بالثروة.

وفي مجال التعليم صفّى بن علي ما تبقـّـى من مكتسبات الشعب التونسي في هذا المجال على محدوديتها بدعوى "الإصلاح" الذي هو في الأساس مشروع رأسمالي ليبيرالي فرضته مؤسسات النهب الدولي ويتخذ اليوم من الأسماء اسم "مدرسة الغد". وليس لهذا المشروع من هدف غير إخضاع المؤسسة التربوية لمقتضيات المؤسسة الاقتصادية الرأسمالية، حتى توفر لها ما تتطلبه من إطارات وتهيّء كوادرها للحياة المهنية إن حصلوا على شغل بالطبع. وهو ما يعني ضرب مفهوم التربية باعتبارها مؤسسة اجتماعية محورها المعرفة والعلم وتطويرهما ضمن استراتيجية تهدف إلى توفير شروط النهوض بالبلاد وجعلها قادرة على التحكم في مصيرها والإسهام في إثراء الإرث الإنساني انطلاقا من خصوصياتها التاريخية والقومية وتعويضه بمفهوم المؤسسة الاقتصادية التي تنتج بضاعة حسب الطلب مما يؤدي إلى خضوعها هي ذاتها لمنطق الربح الرأسمالي فتتحول العلاقة بينها وبين التلميذ/الطالب إلى علاقة بين مؤسسة وحريف، وهو ما ينجر عنه، كما في الصحة بروز نمطين من التعليم: واحد للفقراء رديء وبدون آفاق وآخر للأغنياء راق وذو آفاق مما يعمّق التمييز أمام المعرفة ويجعل كسبها رهين الثروة. في هذا السياق خضع التعليم في تونس تدريجيا للخوصصة وهي خوصصة من المنتظر أن تتفاقم مستقبلا مع فتح سوق التعليم للمؤسسات الأجنبية. كما أن السلطة ما انفكت تسعى إلى القضاء على المجانية النسبية للتعليم العمومي بتحميل العائلات نفقات إضافية لتعليم أبنائهم وبناتهم، في شكل معاليم ترسيم وأسعار لوازم مدرسية تنزع إلى الغلاء باستمرار أو في شكل "إعانات" لبناء أقسام جديدة أو ترميم الموجود منها أو تأثيث المكتبات أو نفقات كراء وأكل بالنسبة إلى الطلبة الذين تضاءل عدد المنتفعين منهم بمنحة (35%) أو سكن (24,07%) مما جعل أغلبهم عرضة لاستغلال فاحش من قبل أصحاب المبيتات الخاصة حيث تكلفة السرير تتراوح بين 35 دينار و90 دينار أي ما بين 3 و9 مرات تكلفة الإقامة بالمبيت العمومي. أما المنحة فهي تراوح مكانها (50 دينار) منذ سنوات علما أنها لا تكفي أحيانا لتسديد نفقات السكن بالنسبة لغير المقيمين بالمبيتات العمومية.

ومن منطلق إخضاع التعليم لحاجات السوق وهي سوق تسيطر عليها المؤسسات المالية والشركات الامبريالية انتشرت بشكل عشوائي الشّعب القصيرة ( شُعب تكوين مهني ) التي تحتاجها هذه المؤسسات والشركات والتي يبقى معظم خرّيجيها عاطلين عن العمل لعجز السوق عن استيعابهم. كما تتجه السلطة إلى تهميش العلوم الإنسانية بدعوى أن العصر "عصر علم" وتتخلى عن مفهوم التكوين الشامل للتلميذ أو الطالب لتعويضه بمفهوم يرتكز على تلقينهما بعض المعلومات لـ"تدبير الراس" بعنوان "المقاربة بالكفايات". وفي هذا السياق ما انفكت الجامعة تفقد وظيفتها الأساسية كمركز للبحث وإنتاج المعرفة ليصبح الجامعي مجرد "مكوّن" أو "صنايعي" يعد الإطارات التي تتطلبها المؤسسة مستمدا قيمته من مدى حاجة هذه المؤسسة إلى البضاعة التي ينتجها. ومما زاد أزمة التعليم عمقا أن الدكتاتورية النوفمبرية تفرض هذه المشاريع فرضا على المعنيين ولا تسمح لهم بإبداء الرأي فيها. كما أنها استغلت الوضع لإفراغ برامج التعليم من كل ما يمكّن التلميذ/الطالب من تلقي تكوين فكري يربي عنده ملكة النقد ويهيئه للبحث وإنتاج المعرفة. وهي تخضع المدرسة وخاصة الجامعة للمراقبة البوليسية المباشرة لمنع أي نشاط فكري أو سياسي أو نقابي مما حوّل الكليات والمدارس العليا إلى ثكنات. وتمثل الجامعة التونسية من هذه الناحية حالة شاذة في العالم ناهيك أنه حتى في إيران الملالي سن البرلمان قانونا يحمي حرمة الجامعة ويمنع البوليس من دخولها. ولم تشهد الحريات الأكاديمية ما شهدته في عهد بن علي من دوس. ففي منشور بتاريخ 25 فيفري 1997 صادِرٍ عن وزير التعليم العالي "طُولب" العمداء ومديرو المعاهد العليا ومراكز البحث بإعلام وزارة الداخلية مسبقا بكل تظاهرة علمية ينظمونها مع مدها بقائمة المشاركين ونص مداخلاتهم. ومع ذلك لا يتورع بن علي عن الحديث عن "مجتمع المعرفة" وكأنه ممكن دون حرية ودون تكفل الدولة بالإنفاق عن التعليم والبحث. وأخيرا وليس آخرا لم ينفك بن علي يتلاعب بنتائج الامتحانات والمناظرات لأغراض سياسوية. فنسب النجاح تضخمت ليس ترجمة لتطور نوعي للتعليم وإنما لكسب التأييد السياسي. ورغم تضخم "النجاح" في كافة المستويات فإن ذلك لم يمكّن السلطة من طمس هشاشة النظام التعليمي، إذ يكفي ذكر تزايد المنقطعين عن الدراسة في كافة المستويات من سنة إلى أخرى. ففي سنة 2002 مثلا "لفظت" المدارس 116454 تلميذا وتلميذة، وفي العام الموالي ارتفع هذا الرقم إلى 126266. وفي الجامعة يذهب حسب البنك العالمي في تقرير نشر منذ سنوات، 43% من طلبة المرحلة الأولى ضحية نظام الخراطيش. وما من شك في أن الخيارات التربوية هذه التي اتبعها بن علي خطيرة على مستقبل بلادنا وشعبنا الذي لا يزال رغم كل الدعاية المضللة يعاني من نسبة أمية مرتفعة تبلغ 27% (منها 36,3% في صفوف الإناث و 17,7% للذكور) مع العلم أن بلدا مثل كوبا، استقل عام 1959 وكانت الأمية منتشرة فيه بنسبة مرتفعة جدا تمكّن منذ مدة من القضاء عليها حسب المصادر الدولية. وختاما ليس أدل على تدهور حالة التعليم من عدم ثقة مسؤولي النظام بمن فيهم بن علي وأفراد حاشيته بالمدرسة/الجامعة التي يروجونها وإلا ما الذي يجعلهم يبعثون أبناءهم وبناتهم إلى المدارس الفرنسية بتونس. ألم يكن الأجدر بهم إعطاء المثال في تكوين أبنائهم وبناتهم في المدارس العمومية التي تمثل وجه التعليم في البلاد.

وفي مجال السكن تحولت رغبة المواطن في كسب شقة أو منزل إلى فرصة للبنوك والشركات العقارية كي تنهبه وترهنه وهو ما يترجم عنه الارتفاع الجنوني لأسعار العقارات ومواد البناء وفائدة القروض الممنوحة للراغبين في بناء مسكن أو شرائه علاوة على ارتفاع الأكرية. ناهيك أن الكراء أصبح يمثّل أحيانا ثلث الراتب إن لم يكن نصفه أو أكثر. وكما في جميع المجالات فإن حفنة من المضاربين تحتكر الشركات العقارية، وكما في جميع المجالات فإن حفنة من الأثرياء، والمضاربين تحتكر أفخر القصور والمنازل والعمارات والشقق بينما يعيش قسم هام من العائلات التونسية بالمدينة والريف في ظروف سكنية قاسية بل مزرية مع ما ينجم عن ذلك من مشاكل صحية وأخلاقية وخلافات عائلية وإخفاق في الدراسة إلخ.. وليس أدل على هذا الواقع المتميز بالحيف من أن عدد المساكن في تونس قد بلغ 2.204.300 مسكنا في سنة 1999 لا يوجد من بينها سوى 1.835.700 مسكنا آهلا بالسكان بينما بقية المساكن ومجموعها 362 ألف مسكن غير آهلة بالسكان منها 128 ألف مسكن ثانوي و26 ألف مسكن شاغر معد للكراء و78 ألف مسكن شاغر لكنه غير معد للكراء والبقية بصدد البناء. وفي نفس الوقت توجد 264 ألف مسكن مكون من الأكواخ والخيم والبراكات وغرف "الوكايل" كما توجد 284.085 أسرة تسكن غرفة واحدة! وتفيد هذه الإحصائيات أيضا أن 104768 مسكنا تسكنه أسرتان أو ثلاث فما فوق ومعظم هذه المساكن توجد بالمناطق الحضرية. فلو لم يكن بن علي حاميا لمصالح الأثرياء والمضاربين العقاريين ما الذي يمنعه من توزيع المساكن الشاغرة على مستحقيها والتخفيض في أسعار الكراء ومنع المضاربات العقارية بشكل عام؟

وفي مجال النقل تمت خوصصة القطاع وهو ما أدى إلى بروز نوعين من النقل: الأول عمومي لا طاقة للمواطن على رداءته والثاني خاص لا طاقة للمواطن على ارتفاع أسعاره. مع العلم أن السلطات ما انفكت تستغل هذا الوضع للزيادة في معاليم النقل العمومي دون أن يطرأ عليه تحسن جوهري. فالغلاء وطول الانتظار والاكتظاظ هي العلامات الثلاث المميزة للنقل العمومي في بلادنا.

وفي مجال الكهرباء والغاز والماء والاتصال تمت خوصصة جملة من الخدمات. والحكومة ماضية في تدعيم هذه الخوصصة بما في ذلك خوصصة الماء الذي قد تفوز بخدماته إحدى الشركات الفرنسية التي تستغل إنتاج الماء في المغرب. وبطبيعة الحال فإن التفويت في هذه الخدمات الأساسية للخواص وتحويلها إلى مجال للاستثمار والربح قد أدى إلى ارتفاع أسعارها. كما أن دخول الرأسمال الأجنبي فيها مكنه من السيطرة تدريجيا على قطاعات حيوية واستراتيجية. وللتذكير فإنه في بلادنا وبعد حوالي النصف قرن من حكم الحزب الدستوري لا يزال حسب الأرقام الرسمية (إحصاء 1999 حول السكان والتشغيل) 238.643 مسكنا غير مرتبط بشبكة النور الكهربائي و659623 مسكنا غير مرتبط بشبكة توزيع المياه. وفي نفس الفترة لا يرتبط سوى 47,2% من المساكن بشبكة صرف المياه.

رابعا: تفاقم الاختلال بين الجهات وبين المدينة والريف وبين الأحياء الغنية والفقيرة

إن تفاقم الاختلال بين الجهات هو نتيجة أخرى من نتائج الـ17 سنة من حكم بن علي. إن التمييز بين الجهات وتحديدا بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية هو من ثوابت النظام الدستوري منذ حكم بورقيبة ويعود ذلك إلى أولا: عامل سياسي يتمثل في أن معطم قادة النظام من المناطق الأولى وهو ما يجعلهم يركزون اهتمامهم عليها لكسب دعمها السياسي فيعطونها الأولوية في الاستثمار وبعث المشاريع ومنح القروض وإيجاد مواطن الشغل ويعينون أبناءها في أهم المراكز والمسؤوليات السياسية والاقتصادية والثقافية ويمارسون عبرهم الهيمنة على الجهات والمناطق غير المحظوظة. وثانيا: عامل اقتصادي إذ أن أصحاب رأس المال المحليين والأجانب يوجهون استثماراتهم إلى المناطق الساحلية لأنها الأكثر تجهيزا والأيسر لتصدير منتوجهم والأضمن ربحا إضافة إلى ما يلقونه من تشجيع من السلطات للاستثمار فيها. وهو ما عمق الفوارق بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية في بلادنا خصوصا في ظل حكم بن علي. فقد ظلت المناطق الساحلية تستقطب معظم الاستثمارات العمومية والخاصة (أكثر من ¾ الاستثمارات) وتستأثر باهتمام السلطة في كافة المجالات. أما الجهات المتروكة والتي أصبحت تسمى في عهد بن علي "مناطق الظل" فهي تمركز أعلى نسب البطالة والتهميش والأمية والنزوح. إن مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الغربي التي لا يتجاوز عدد سكانها في عام 1999 تاريخ آخر مسح حول السكان والتشغيل ثلث مجموع السكان بالبلاد تجمّع حوالي 60,1% من العاطلين عن العمل و 45% من الأميين (أعلى نسبة بالوسط الغربي 42,5% مقابل نسبة وطنية بـ27%). كما أنها تمثل أهم مصدر للنزوح في اتجاه العاصمة (40 ألف خلال الفترة بين 94 و1999) والوسط الشرقي (32 ألف). وقد بلغ صافي الهجرة في الوسط الغربي وحده خلال نفس الفترة 41,1 ألف نسمة مقابل 23,9 ألف نسمة خلال الفترة 89-94 وهو ما يؤكد ازدياد الفقر والتهميش بهذه المنطقة. وإلى ذلك فإنه لا يوجد سوى طبيب واحد لكل 2478 ساكنا بالشمال الغربي، و2848 ساكنا بالوسط الغربي و2027 ساكنا بالجنوب الغربي، مقابل طبيب واحد لكل 1248 ساكنا على المستوى الوطني، وطبيب واحد لكل 676 ساكنا بإقليم تونس. وإلى حدود عام 2001 تاريخ الخارطة الطبية التي اعتمدناها توجد مناطق غير مجهزة بآلة "سكانار" مثل سليانة وتوزر وقبلي وسيدي بوزيد. كما أنه لا توجد ببعض هذه المناطق (سليانة، سيدي بوزيد، القيروان، قبلي، …) قاعة سينما واحدة. وإلى ذلك تشكو هذه المناطق من رداءة الطرقات ووسائل النقل.

وعوض أن يعتني نظام بن علي بهذه الجهات خصوصا أنها لا تنقصها لا الثروات الطبيعية ولا البشرية ويخصص لها المشاريع فإنه لم يجد لها من حل سوى "تنظيم الصدقة" لها عن طريق صندوق 26/26 المستعمل للنهب من جهة وللإشهار السياسي من جهة ثانية. فالأموال التي تجمع له في شكل أداءات غير معلنة لا أحد يراقبها. كما أنها تقدم إلى بعض الفئات منالمواطنين في شكل "هبات رئاسية". ولم تؤد هذه "الصدقات" إلى تغيير جوهري في واقع الجهات المحظوظة.

ولم تشهد العلاقة بين المدن والأرياف أي تحسن جوهري في عهد بن علي. فالمدينة لا تزال "تنهب" الريف. فهو يعطيها الحبوب والغلال والخضر والمياه وهي لا تعطيه أي شيء تقريبا. فمعظم المصانع الغذائية تقام في المدن وأبناء الريف وبناته محكوم على معظمهم بالبطالة. والقروض موجهة أساسا إلى دعم الفلاحين الكبار بينما الفقراء والصغار من الفلاحين يحصلون على قروض بؤس تستغلها البنوك لنهبهم. كما أن الاعتمادات المخصصة للأرياف سواء في مجال التعليم أو الصحة هي دون حاجاتهم بكثير. فأعلى نسب الأمية بالأرياف (40,6% مقابل 18,8% بالوسط الحضري) وأدنى نسب تواجد الأطباء والمصحات والمستشفيات بالأرياف ولا وجود لدور ثقافة أو قاعات سينما أو فضاءات مسرحية في أرياف تونس. وكذلك خدمات النقل والاتصال فهي شحيحة. ومن بين 238643 مسكنا غير مرتبط بالشبكة الكهربائية يوجد 158.553 بالريف. وعلى 659.623 مسكنا غير مرتبط بشبكة توزيع المياه يوجد 511.002 مسكنا بالريف ولا يوجد سوى 3109 من المساكن بالريف مرتبطة بشبكة التطهير. فأين ذهبت أموال الشعب خلال الخمسين سنة تقريبا من حكم حزب الدستور؟ ولا يجد أبناء الريف من مخرج سوى النزوح إلى المدن أو الهجرة إلى الخارج بحثا عن لقمة العيش. وقد تفاقمت هذه الظاهرة في عهد بن علي مما أصبح يهدد الأرياف التونسية بالانهيار.

ويمثل تعمق الاختلال بين الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة في المدنإحدى نتائج اختيارات بن علي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن لا يمكنه أن يلاحظ الاختلال المتفاقم بين هذين النوعين من الأحياء سواء كان ذلك في العاصمة أو في مدن تونس الأخرى؟ ويشمل هذا الاختلال كافة المجالات. فالعناية بالنظافة والتطهير والإنارة والمرافق الخاصة بالصحة والتعليم والرياضة والثقافة والأطفال لا تقارن. فأهم الاعتمادات على مستوى الحكومة والولايات والبلديات توجه إلى الأحياء الغنية على حساب الأحياء الفقيرة وهو ما زاد في تدهور ظروف سكانها الذين يعرفون أعلى نسب الأمية في المدن وكذلك الانقطاع عن الدراسة والبطالة والفقر والجريمة والمرض والهجرة إلى الخارج. ويكفي المرء أن يقارن الوضع بحي التضامن أو الملاسين أو الزهروني بالوضع بميتيال فيل أو قرطاج أو قمرت.

خامسا: تفاقم الجريمة والأمراض النفسية والعقلية وتأزم القيم

تفاقمت الجريمة في عهد بن علي بشكل مفزع. فالسرقة والنشل والاعتداء بالعنف والاغتصاب والاتجار بالمخدرات والتمعش من البغاء والقتل أصبحت ظواهر منتشرة في كافة أنحاء البلاد وخاصة في العاصمة وفي غيرها من المدن الكبرى. وهو ما جعل المواطن يفقد الأمن والأمان رغم العدد المهول من أعوان البوليس (واحد لكل 70 أو 80 مواطنا) المشغول بحماية حكم بن علي وحاشيته أكثر من حماية المواطن العادي. ولا تزال الحكومة تخفي الحقائق حول هذا الموضوع بعدم نشر الأرقام والإحصائيات للعموم. وتكفي الإشارة في هذا المجال إلى التطور المهول في عدد القضايا الواردة على المحاكم في السنوات الأخيرة. ففي السنة القضائية 1998-1999 مثلا بلغ عدد تلك القضايا 1.756.482 وقد ارتفع في السنة القضائية الأخيرة 2003-2004 إلى 2.158.492 قضية أي بزيادة 402.010 قضية. كما أنها ترفض الخوض في أسباب تفاقم الجريمة لإخفاء مسؤوليتها في ذلك وخاصة مسؤوليتها في انتشار البطالة والفقر والتهميش في نفس الوقت الذي تنتشر فيه قيم الربح السهل والسريع وتتفاقم العقلية الاستهلاكية وتختزل قيمة الفرد فيما يملك. وعوض البحث عن الحلول الجدية لمواجهة هذه الظاهرة المفزعة بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية اختارت السلطة حلا واحدا وهو الحل الأمني الذي فشل فشلا ذريعا في الحد من الجريمة فما بالك بالقضاء عليها. والأخطر من ذلك أن العديد من أعوان الأمن وجدوا في الجريمة مجالا للاستثراء سواء بالمشاركة المباشرة في العصابات أو في توفير الحماية لها مقابل أتاوات أو بالحصول على رشاو مقابل طمس آثار الجريمة.

ومن جهة أخرى تفاقمت الأمراض النفسية والعقلية في المجتمع التونسي خلال 17 سنة هذه من حكم بن علي. فقد تكاثر رواد المستشفيات والمصحات النفسية والعصبية. وف
المزيد
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دراسة - إمبريالية القرن الواحد والعشرين

كتبها mohamed elhanafi ، في 29 نوفمبر 2009 الساعة: 06:06 ص

 

دراسة - إمبريالية القرن الواحد والعشرين
 
 
 
كلاوديو كاتز
 
 
حوَّر تجدد الاهتمام بدراسة الإمبريالية، النقاش حول العولمة، الذي ارتكز أساسا حول نقد النيوليبرالية والخطوط الجديدة للعولمة.
هذا المفهوم (الإمبريالية) الذي طوره المنظرون الماركسيون الرئيسيون في القرن العشرين ـ والذي عرف انتشارا كبيرا في سبعينياته ـ يجلب من جديد اهتمام الباحثين، مع تفاقم الأزمة الاجتماعية في العالم الثالث، وتضاعف النزاعات العسكرية، والتنافس المميت بين الشركات الكبرى.
فكرة الإمبريالية تُمَفهم نوعين من المسائل: من جهة، علاقات السيطرة الموجودة بين رأسماليي المركز وشعوب الأطراف، ومن جهة أخرى، العلاقات التي تسود بين القوى الإمبريالية الكبرى عند كل مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية.
ما هي إذن حدود راهنية هذه النظرية؟ وبماذا يمكن أن تساهم  لإنارة الوضع الحالي؟
I – شرح لقطبية العالم.
يؤكد "استقطاب المداخيل"، أهمية نظرية الإمبريالية في معناها الأول. فعندما تصبح ثروة ثلاثة مليارديرات أكبر من الناتج الداخلي الخام (
PIB) ل48 بلدا. وعندما يموت مواطن من الأطراف كل أربعة ثواني جوعا، يصبح من الصعب إخفاء كون تعاظم الهوة بين البلدان المتخلفة والمتقدمة ينتظم ضمن إطار علاقات الاضطهاد.
فاليوم لا مجال للقول بأن هذا التباين هو حدث عرضي، سيتم تصحيحه بعد تدفق عائدات ومزايا العولمة.
وبلدان الجنوب لا يشكلون فقط "الخاسرين" في هذه العولمة، بل إنهم يعانون من تعميق مسلسل تحويل المداخيل لصالح الشمال، هذا المسلسل الذي عطل تاريخيا تنمية الجنوب.
هذا التجفيف تسبب بمضاعفة إذقاع بؤساء البلدان 49 الأكثر فقرا، وتشوهات جمة في نظام التراكم الجزئي للبلدان التابعة النصف المصنعة. ففي هذه الأخيرة انعدمت نجاحات القطاعات الداخلة في قسمة العمل الدولية، بعد إضعاف الأنشطة الاقتصادية الموجهة للسوق الداخلي.
إن التحليل الذي تقدمه الإمبريالية لا يعتبر بأن التأخر هو نتيجة مؤامرة، ولا يبرئ الحكومات المحلية من مسؤولياتها عن ما آلت إليه الأوضاع. لكنه يقدم بكل بساطة تفسيرا "لاستقطاب" التراكم على الصعيد العالمي وتقلص احتمالات تعادله بين اقتصاديات غير متشابهة.
فهامش "التنمية السريعة" الذي سمح في القرن 19 لألمانيا واليابان بالوصول إلى وضعية قوى عظمى بحجم فرنسا وبريطانيا، اللتان سبقتاها لذات الوضع، هذا الهامش لم يعد متوفرا اليوم بالنسبة للبرازيل أو الهند أو كوريا الجنوبية، إذ أن خريطة العالم المنمطة على هذا النحو تتميز ب"هندسة ثابتة" في المركز وب"جغرافيا متحركة" للتخلف، والتغيرات الوحيدة الممكنة هي في الوضعية الطرفية لكل بلد تابع.
تعزو نظرية الإمبريالية هذا التباين إلى التحويل الممنهج للقيمة المحدثة في الأطراف لصالح رأسماليي المركز.
هنا التحويل يتم عبر تدهور حَدَّي المبادلات لغير صالح الأطراف. وبالتناقص التدريجي للعائدات المالية والأرباح الصناعية إلى حدود الصفر.
النتيجة السياسية لهذا التجفيف هي فقدان الاستقلالية السياسية للطبقات السائدة في الأطراف، وكذلك التدخلات العسكرية المتزايدة للدركي الأمريكي.
هذه المظاهر المتزايدة للإمبريالية المعاصرة تظهر بوضوح في حالة أمريكا اللاتينية اليوم.
II – تناقضات الاقتصادات الطرفية.
منذ أواسط التسعينات وأمريكا اللاتينية تتحمل نتائج انهيار "الأسواق العابرة"، حيث أن أغلب البلدان المتضررة عرفت أزمات حادة مسبوقة بهروب الرساميل ثم تخفيض العملة، الشيء الذي زاد في التضخم وقلص من القدرة الشرائية.
لقد تسببت هذه الانهيارات في إفلاسات بنكية، وأدى تدخل الدولة لإنقاذها الى مفاقمة المديونية العمومية، ليصبح بالتالي من الصعب إعطاء نفس جديد للاقتصاد وليتعمق فقدان السيادة النقدية والمالية.
مَرَد هذه الأزمات هو السيطرة الإمبريالية، ولا يمكن تعليلها فقط بتطبيق السياسات النيوليبرالية، المطبقة في المركز كذلك.
فالانهيارات التي عرفتها أمريكا اللاتينية أكثر عمقا من الاختلالات التي وجدت في أوروبا أو اليابان، باعتبار أن أمريكا اللاتينية تتأثر بالانخفاض الحاد والدوري لأسعار المواد الأولية المصدرة، والانقطاع الدوري في أداء الديون، وتفكك الصناعة المحلية.
إن بلدان المحيط هي الأكثر تعرضا للنتائج الوخيمة التي تسببها التقلبات المالية العالمية، باعتبار أن دورتها الاقتصادية مرتبطة بشكل وثيق بنشاط الاقتصاديات المتقدمة. وتقدم العولمة يضاعف هذه الهشاشة بتعميق تجزء النشاط الصناعي وبتركيز العمل المؤهل داخل بلدان المركز مع توسيع الفروقات بين مستويات الاستهلاك.
من جهة أخرى، تمكن السيطرة الإمبريالية الإقتصاديات المتقدمة من تحويل جزء من اختلالاتها الذاتية إلى البلدان التابعة. هذا التحويل يفسر الطبيعة المتباينة واللامعممة للانحسار الإقتصادي العالمي الحالي. فرغم أن أزمة اقتصادية مماثلة لأزمة 1930 قد تسجل في المحيط، لكنها ستبقى مجرد احتمال في بلدان المركز.
فنفس سياسات الخوصصة لم تؤد لنفس الخسائر في مختلف المناطق. فإذا كانت التاتشيرية قد زادت من حدة الفقر ببريطانيا، فإنها أدت إلى سوء التغذية والبؤس بالأرجنتين. وإذا كان توسيع الفوارق قد أدى إلى تقليص الأجور بالولايات المتحدة، فإنه تسبب في الفاقة والهجرة الجماعية بالمكسيك. وإذا كان الانفتاح التجاري قد تسبب في إضعاف الاقتصاد الياباني، فإنه خرب الإكواتور.
هذه الاختلافات ترجع إلى الطبيعة الهيكلية لكل بلد داخل النظام العالمي : هل في المركز؟ أم في الأطراف؟
تشكل التبعية السبب الأساسي للتراجع الكبير الذي عرفته أمريكا اللاتينية، منذ منتصف التسعينات، رغم بعض الانتعاش الذي يرجع لتدفق الرساميل الموظفة لمدد قصيرة. فالمنطقة تسقط من جديد في الوضعية المأساوية التي عرفتها إبان "العشرية الضائعة" للثمانينات. فقد توقف الناتج الداخلي الخام في المنطقة عند حوالي 0,3 % سنة 2001 ، وسيتموقع حوالي 0,5 % سنة 2002  ، وبعد أربعة سنوات من الخروج الكامل للرساميل توقفت الاستثمارات الأجنبية، وفاقم تخصص بلدان المنطقة في النشاطات الإنتاجية ذات القيمة المضافة المنخفضة (نشاطات قاعدية
de base ) تدهور الميزان التجاري. فتحويلات المهاجرين بالكثير من البلدان تتجاوز العملة الصعبة المجنية من الصادرات.
نتيجة هذه الأزمة تتجلى في كون 20 فقط، من 120 شركة أمريكية لاتينية كانت متواجدة في البورصات العالمية، حافظت على ذلك التواجد اليوم.
السيطرة الإمبريالية هي الأصل في الاختلالات الاقتصادية الكبرى التي سببت العجز التجاري (المكسيك) وفقدان التحكم المالي (البرازيل) وانهيار الإنتاج (الأرجنتين). والآن تؤدي هذه التقلبات إلى تعاقب الأزمات المنتشرة في اتجاه الجنوب، مسببة اختلال اقتصاد الأوروغواي وتهدد البيرو والبرازيل.
يُجهِد الإقتصاديون النيوليبراليون أنفسهم في تحليل خصوصيات هذه الأزمة، دون أن يحاولوا فهم القاعدة العامة لفقدان التوازن هذا، فتجاهلهم للاضطهاد الإمبريالي يجعلهم يميلون مرات متعددة إلى تغيير آرائهم، والحط من قيمة النماذج الاقتصادية التي كانوا يدافعون عنها ورميها بأقذع النعوت.
لكن بعد إطلاق منطقة التبادل الحر للأمريكيتين (
ZLEA) ، أصبح من المستحيل عمليا تفادي تحليل الإمبريالية.
فهذا المشروع الاستراتيجي للسيطرة الأمريكية الشمالية، يهدف إلى توسيع الصادرات الأمريكية (
USA) من أجل لجم المنافسة الأوروربية وتدعيم مراقبة القوة الأولى لجميع العمليات المربحة بالمنطقة (الخوصصات المتبقية ـ المعاهدات التفضيلية في القطاع العام…).
إن اتفاق
ZLEA ، هو معاهدة استعمارية جديدة، بحيث يفرض الانفتاح التجاري لأمريكا اللاتينية دون أن تلتزم الولايات المتحدة بالمثل. فمن أجل الحصول على « fast track » (ترخيص الكونغرس للرئيس بالتفاوض السريع حول الاتفاقات مع البلدان دون الرجوع إليه)، أدخل بوش معايير جديدة لا تسمح بتحويل التقنيات العالية باتجاه أمريكا اللاتينية، الشيء الذي يعرقل دخول 293 منتوج أمريكي ـ لاتيني لسوق الولايات المتحدة.
هذه الحواجز الجمركية تمس بالدرجة الأولى صناعة النحاس والحديد، النسيج والفلاحة. أكثر من ذلك وضع بوش برنامجا لدعم القطاع الفلاحي في الولايات المتحدة، الشيء الذي سيوجه ضربة قاصمة لصادرات أمريكا اللاتينية من الصويا، القمح والذرة في غضون العقد القادم.
تنزع
ZLEA القناع عن الخطاب الإمبريالي المزدوج، الذي يسعى وراء الانفتاح التجاري في الخارج مع اللجوء في نفس الآن إلى الأساليب الحمائية في الداخل. لهذا سيؤدي التوقيع على الاتفاق إلى انهيار البلدان نصف ـ المصنعة مثل البرازيل، وإلى انهيار الاتفاقيات الجهوية كالميركوسور، كما أن الاقتصاديات الصغيرة أو تلك المكملة لقطاعات جد خاصة في الولايات المتحدة، لن تتلاءم إلا بشكل جد ضعيف مع الإتفاق.
هكذا، فبعد عقد من السياسات النيوليبرالية، لم يعد الخطاب الإمبريالي حول الإنفتاح يقنع أحدا. إن نجاح بلد ما لا يتعلق فقط "بحضوره العالمي"، لكن بأشكال وظروف هذا الحضور. نأخذ إفريقيا كمثال: نسبة تجارتها الخارجية، مع أمريكا اللاتينية، على ناتجها الداخلي الخام، كبيرة جدا (45,6 %) مقارنة مع أوروبا (13,8 %) أو الولايات المتحدة (13,2 %) مع أنها أفقر منطقة في العالم. هذه الحالة المتطرفة من الإلحاق المُضر والغير صحي بقسمة العمل الدولية، تمثل حالة من حالات التبعية العامة التي تعرفها الاقتصاديات الطرفية.
III – إعادة الاستعمار السياسي.
إعادة استعمار دول المحيط تمثل الوجه السياسي للسيطرة الإقتصادية الإمبريالية، وهو يرتكز على التعاون المتزايد للطبقات المسيطرة المحلية مع نظيراتها في الشمال. هذا الإرتهان جاء كنتيجة للتبعية المالية ولتحويل الموارد الطبيعية وكذا لخوصصة القطاعات الاستراتيجية للمنطقة.
ففقدان السيطرة الإقتصادية، مَكَّن صندوق النقد الدولي من وضع اليد بشكل مباشر على التدبير الماكرواقتصادي، ومنح لكتابة الدولة الأمريكية في الخارجية تأثيرا مماثلا على القرارات السياسية. فاليوم لم يعد مسموحا لأي رئيس أمريكي لاتيني اتخاذ قرارات هامة دون الرجوع لسفارة الولايات المتحدة. هذا في الوقت الذي تقوم فيه وسائل الإعلام و"المثقفون المتأمركون" بدور الراهب المُسَبِّح بحمد أمريكا، مما يؤدي إلى شرعنة هذه التبعية.
وعلى العكس من الفترة الواقعة بين 1940 و 1970 ، لا يعتزم رأسماليوا أمريكا اللاتينية تصليب الأسواق الداخلية بالاعتماد على سياسة تعويض الواردات. فأولويتهم الآن هي الارتباط بالشركات الأجنبية، وذلك لأن الطبقات المسيطرة في المنطقة، هي بدورها معنية بأداء الدين الخارجي، وتستفيد حاليا من الهامش الذي يوفره انعدام الضبط المالي، كما تستفيد من الخوصصات ومن مرونة الشغل. توجد أيضا فئة من الموظفين تقدم الولاء للمؤسسات الإمبريالية أكثر مما تقدمه لبلدانها، فهؤلاء تعلموا في الجامعات الأمريكية وتدربوا في المؤسسات الدولية وفي الشركات الكبرى، لذا يرتبط مسارهم المهني بهذه المؤسسات أكثر من ارتباطه بحسن سير الدول التي يحكمونها.
لكن إعادة الاستعمار المعمم هذا يعمق كذلك أزمة الأنظمة السياسية في المنطقة، ففقدان الحكومات لمشروعيتها، كنتيجة لتنفيذ أوامر صندوق النقد الدولي، نجم عنه في السنتين المنصرمتين "أزمة نظام" في أربعة بلدان (الباراغواي ـ الإكواتور ـ البيرو ـ الأرجنتين). وهكذا، فبعد مسيرة طويلة من تآكل نفوذ الأحزاب التقليدية، أصبحت الحكومات أكثر هشاشة، وتتجه الأنظمة نحو التفكك، بل إن بعض الدول قد اهتزت.
هذا المشهد يشكل تتويجا لعملية تفصيل المؤسسات على المقاس، مما جعلها تفقد كل حساسية للمطالب الشعبية ولا تقيم لها أدنى اعتبار، وتتصرف كخادمة للإمبريالية. وفي نفس الوقت الذي تتفكك فيه الواجهة الدستورية، تشجع كتابة الدولة الأمريكية في الخارجية على العودة إلى الممارسات الديكتاتورية للماضي، مع تغليفها ببعض المجملات الدستورية.
هذا الخط يظهر جليا في المحاولة الإنقلابية بفنزويلا. فتغيير الحكومة الوطنية بهذا البلد يشكل أولوية بالنسبة لحكومة الولايات المتحدة، وذلك لأجل تصليب الحصار ضد كوبا، وتقطيع أوصال الزاباتية، والإستعداد لفوز إنتخابي لحزب العمال في البرازيل، وكذلك تلقين درس للتمرد الشعبي في الأرجنتين.
وقد بدأت دبلوماسية الولايات المتحدة بتقييم إمكانيات إعادة إرساء الحمايات القديمة التي تعتبرها قد انتهت. كولومبيا وهايتي هما المرشحتان الرئيسيتان لهذه المحاولة النيوكولونيالية، والتي يمكن أن تطبق كذلك في يوغوسلافيا، رواندا، أفغانستان، الصومال وسيراليون. كذلك يمكن إدخال الأرجنتين في هذا المشروع الذي تهدف من ورائه أمريكا حكم هذه البلدان بإقامة من يقوم مقامها فيها. بدائل مثل هذه ستفرض على الدركي الأمريكي أن يحشر أنفه بشكل متزايد في أمور المنطقة.
IV – التدخلية العسكرية.
يعتبر "مخطط كولومبيا" المحاولة الأساسية لهذا التدخل العسكري في أمريكا اللاتينية، فقد وضع البانتاغون الذرائع المتعلقة بتهريب المخدرات جانبا، وبدأ حملة عسكرية ضد الثوار، مع القطع النهائي لمفاوضات السلام.
ومن أجل تقليص عدد الضحايا في صفوف الفرق العسكرية الأمريكية (عقدة فيتنام) ستتم التضحية بعدد كبير من "الأهالي" بوضعهم على خط النار.
إن الحرب في كولومبيا تعني إرساء سلطة دولة قطعت أوصالها. أي إرساء شروط النهب الإمبريالي للموارد الاستراتيجية. ومثلما تؤكد المؤامرة ضد فنزويلا، تهدف هذه الممارسات كذلك إلى ضمان تزود الولايات المتحدة بالبترول. ومن أجل تأمين كل ذلك وضعت
C.I.A مركزا استراتيجيا بالإكواتور، مهمته التصنت، من الحدود، على كامل التراب المكسيكي.
لقد ألزمت الإمبريالية نفسها بتحديث قواعدها العسكرية بفرق قادرة على التحرك السريع. ومن أجل ذلك، عملت على تنويع ولامركزة هيئات القيادة، متخلية بذلك عن المركز في بانام، ووضعت توزيعا جديدا لقواتها وآلياتها بكل من فييك ـ مانطا ـ آروبا وسلفادور.
وعبر شبكة من 51 نقطة موزعة على كل الكوكب، تنفذ الفرق العسكرية الأمريكية تمرينات تهدف إلى الإنتشار المتزامن في بضعة أيام ل 60000 جندي على 100 بلد. ويظل العدوان على كوبا بواسطة عمل إرهابي أو من خلال مخطط جديد للاجتياح، هدفا دائم الحضور.
الانعطاف نحو النزعة الحربية احتد بعد 11 شتنبر 2001، فالولايات المتحدة تراهن على إعادة تنشيط اقتصادها بإطلاق إعادة التسلح واضعة نصب أعينها الحرب على العراق ـ إيران ـ كوريا الشمالية ـ سوريا وليبيا. فاليوم، وب 5 % من عدد سكان المعمور، تنفق الولايات المتحدة 40 % من مجموع الميزانية العسكرية العالمية. كما أنها بدأت للتو في تحديث غواصاتها وتصنيع نوع جديد من الطائرات. ومن خلال "نسخة معدلة" من "حرب النجوم"، يتم اختبار التطبيقات الجديدة لتكنولوجيا الإتصال.
الإندفاع العسكري يشكل الإجابة الإمبريالية على تفكك دول واقتصاديات ومجتمعات الأطراف، وهو تفكك ناتج عن السيطرة المتنامية للولايات المتحدة عليها. لذلك تلاحظ تشابهات كثيرة بين "الحرب الشاملة على الإرهاب" الحالية، والحملات الاستعمارية القديمة، فمن جديد تتم شيطنة العدو لأجل تبرير الهجوم على المدنيين في خط المواجهة، ومن جديد يتم تقليص الحقوق الديمقراطية. لكن كلما تقدم تدمير "العدو الإرهابي" كلما شهدنا تفككا سياسيا واجتماعيا. فحالة الحرب المعممة تؤبد حالة اللاستقرار الذي سببه النهب الاقتصادي والبلقنة السياسية والتدمير الاجتماعي للأطراف.
هذه النتائج تظهر بجلاء في أمريكا اللاتينية، الشرق الأوسط، وهما منطقتان ذاتا أهمية استراتيجية للبانتاغون، بما أنهما يختزنان الموارد البترولية ويمثلان أسواقا هامة تتنافس عليها أوروبا واليابان كذلك. لأجل هذه الأهمية الاستراتيجية وُضعت المنطقتان في قلب السيطرة الإمبريالية، وتعانيان من مسلسل متشابه من التفكك الدولتي والإضعاف الإقتصادي للطبقة المسيطرة المحلية، وفقدان نفوذ ممثليها السياسيين التقليديين.
V – القدرية النيوليبرالية .
الاستحواذ الاقتصادي، إعادة الاستعمار السياسي والتدخلية العسكرية يشكلون المحاور الثلاث للإمبريالية الراهنة.
يقف العديد من المحللين عند حدود الوصف المستسلم لهذا الاضطهاد باعتباره غير قابل للتليين. البعض يعتبر أن الانقسام بين "الرابحين والخاسرين" في العولمة هو "كلفة التنمية"، دون أن يشرحوا لنا لماذا يبقى على عاتق من دفع الثمن في الماضي أن يدفعه اليوم وغدا ودائما.
النيوليبراليون يتكهنون بأن نهاية عهد التخلف ستتم داخل البلدان التي تراهن على جذب الرساميل الأجنبية، وعلى إغراء الشركات الكبرى. لكننا نرى الآن، أن كل البلدان التابعة التي نهجت هذا الطريق خلال العقد السابق، بفتح اقتصادياتها، تؤدي الآن الفاتورة الثقيلة "للأزمات العابرة". وتلك التي التزمت أكثر على مستوى الخوصصة كانت الأكثر خسارة في السوق العالمي.
منحت هذه الدول تسهيلات جمة للرأسمال الإمبريالي، رفعت الحواجز التي كانت تحد من نهب مواردها الطبيعية، وتؤدي الثمن الآن بمبادلات تجارية أكثر ظلما، باشتداد اللاستقرار المالي، وبتفكك صناعي حاد.
بعض الليبراليين يعزون هذه النتائج إلى التطبيق المحدود لوصفاتهم، كما لو أن عقدا من التجارب الوخيمة لم تقدم ما يكفي من الدروس حول جدوى هذه الوصفات. البعض الآخر يزعمون أن التخلف قدر لا محيد عنه باعتبار أن سكان الأطراف لهم مزاج انهزامي ! ولسيادة الرشوة وعدم النضج الثقافي لشعوب العالم الثالث. على العموم يظهر أن الاستدلال الكولونيالي قد بدَّل من شكله وأسلوبه، لكنه حافظ على جوهره. فاليوم لا يتم تبرير تفوق الغزاة بالنقاء العرقي، ولكن بالمعارف العالية والممارسات النوعية.
VI – إمبراطورية عبر وطنية  
Transnationalisation impériale
معتبرين أن العولمة تذيب الحدود بين العالم الأول والعالم الثالث، يضع طوني نيغري ومايكل هاردت نظرية الإمبريالية في موضع المساءلة بجدية. فهما يعتبران أن هناك رأسمالا معولما، يعمل ـ عن طريق الأمم المتحدة ومجموعة الثمانية والمنظمة العالمية للتجارة ـ على خلق سيادة إمبراطورية تربط بين الأقسام المسيطرة، في المركز والأطراف على السواء، في نفس منظومة الإضطهاد العالمية.
هذا التخصيص يفترض وجود تجانس ما للتنمية الرأسمالية، الشيء الذي يصعب التحقق منه. فجميع المعطيات المتعلقة بالاستثمار، الادخار والاستهلاك تؤكد العكس: تضخم الفروق بين اقتصاديات المركز ونظيراتها في الأطراف، وتؤشر على أن عملية التراكم والأزمة يتقاطبان، ليس فقط لكون النجاحات الأمريكية للعقد الأخير تتقاطع مع الانحدار المعمم للأمم المتأخرة، ولكن كذلك لأن الأزمة الاجتماعية في الأطراف ليس لها نظير في أوروبا. وبالمثل لا نجد أي مؤشر للتقارب في وضع البورجوازية الفنزويلية والأمريكية، ولا للتشابه بين الأزمتين الأرجنتينية واليابانية. فالعولمة لا تزال بعيدة عن تنميط إعادة إنتاج الرأسمال حول أفق مشترك، فهي تعمق ازدواجية وتعاكس هذا المسلسل على صعيد الكوكب.
واضح أن إشراك الشركات الكبرى للطبقات السائدة في الأطراف ضعيف للغاية، كما أنه من الواضح أن الفقر امتد إلى قلب الرأسماليات المتقدمة. لكن لا نرى لحد الآن تحول بلد تابع إلى بلد ينتمي إلى المركز، ولا نرى تحول آخر من المركز إلى بلد ثالثي. فالتداخل الوثيق بين الطبقات السائدة يتعايش مع تعمق الهوة التاريخية التي تفصل البلدان المتقدمة عن المتأخرة. فالرأسمالية لا تتعادل ولا تتكافأ، ولا يمكن الزعم بأنها تتمفصل حول محور "عبر وطني" جديد، لكنها تزيد في التقاطب الذي عرفه القرن الماضي.
السلطة المجموعة في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من هنا يبدأ التسلط

كتبها mohamed elhanafi ، في 6 أكتوبر 2009 الساعة: 07:10 ص

 

من هنا يبدأ التسلط
بقلم: توفيق بوعشرين
مدير جريدة اخبار اليوم
 

لمدة أربعة أيام تحول وزارة الداخلية ومن يقف خلفهفي تدبير ملف (أخبار اليوم) إلى سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية… أعلن الأحكامالعرفية وعلق العمل بالقانون والدستور وحل الحكومة وألغى وزارة العدل. وكل هذا وسطصمت مطبق للوزير الأول عباس الفاسي الذي يقف متفرجا على ذبح القانون وحريةالصحافة


هل يمكن لاحد أن يتصور في مغرب القرن 21 وفي مغرب شعارات (الإنصافوالمصالحة) و(الانتقال الديمقراطي) أن يقدم وزبر الداخلية على سحب عددين من الجريدةدون وجه حق. وعلى إغلاق مقر( اخبار اليوم) وضرب حصار بوليسي حول مكاتبها بدون انيقدم قرارا مكتوبا إلى ادارة هذه الجريدة يمنحها حق الطعن فيه امام المحكمةالادارية … وحتى تكنمل فصول (المسرحية) اصدرت بلاغا (عسكريا) يديننا قبل صدورالاحكام ويخلط بشكل عجيب ما بين العلم الوطني الموجود في كاريكاتور (اخبار اليوم) ونجمة داوود والعداء للسامية والاساءة الى الامير !

إننا نحاكم اليوم أيهاالقراء، على النوايا. وليس على الافعال، الرسم الكاريكاتوري موضوع هذه المحنة لمنقصد من وراءه اي اساءة لعلم البلاد، فليس مشكلنا مع العلم بل مع أناس يختبئون وراءالعلم للدفاع عن مواقهم وامتيازاتهم وسلطهم. لم نفكر للحظة ان نسيء الى مولاياسماعيل كمواطن وكانسان قبل ان يكون اميرا. لم نعمد ابدا على تحقير اي دين او معتقدوليس من ثقافتنا ليكون في سلوكنا شيء من هذا

ان الرسم الذي نشر في عددالجريدة محل المتابعة… رسم برئ من كل الاسقاطات التي حاولت الداخلية ان تلبسهااياه لتصل الي مرام اخرى لتشيطن رسما عاديا وذلك للتضييق على حرية الصحافة وعلىاعادة رسم رقعة جديدة لحرية الاقلام الصحفية .هذا هو عمق المشكل. والا لماذا تلجأوزارة الداخلية الى اسلوب( الحملة) والى خرق القوانين التي ساهمت في وضعها، والىتحريك عناصر من الطائفة اليهودية لتاكل الثوم بفمها ولتنزع تعاطف الخارج معناهكذا يتوهم عقل الداخلية المحدود ثقافة وسياسة وقانونا… اننا نحتاج الى التذكيرباحترامنا للعلم لانه يمثل الامة وضميرها وليس الحكومات وسياساتها. كما اننا لانحتاج الى اعادة القول

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إنبعاث المارد.

كتبها mohamed elhanafi ، في 6 أكتوبر 2009 الساعة: 07:08 ص

 

إنبعاث المارد.
 
طارق حجي

tarekheggy@gmail.com
 
إنبعاث المارد.
١

إن الإستبدادُ السياسي ينتجُ آثاراً سلبيةً عديدةً أكثرها خطراً هو "قتل الحراك الإجتماعي" بمعنى توقف حركةِ صعودِ أفضلِ أبناءِ وبناتِ المجتمعِ للمقاعدِ القياديةِ في شتى المجالاتِ ووجودِ سلطاتٍ إستاتيكية وصل إليها من وصل عن طريقِ قبولِ (بل ودعمِ) الإستبداد وإبداء الولاء. وإذا كان الإستبدادُ يؤدي لقتلِ الحراكِ الإجتماعي ، فإن هذا الأخير (قتل الحراك الإجتماعي) يؤدي لشيوعِ عدمِ الكفاءةِ في كلِ المجالاتِ. فالإستبدادُ يأتي بالأتباعِ (The Followers) ولا يأتي بالأكفاء (Competent The) – وهكذا ، فكما أن الإستبدادَ يقتل الحراكَ الإجتماعي فإن إنتفاءَ الحراكِ الإجتماعي يشيع عدمَ الكفاءةِ في كلِ القطاعاتِ والمجالاتِ. وشيوع عدم الكفاءة يثمرُ (لا محالة) مُناخاً عاماً عامراً باليأسِ – ومن مُناخِ اليأس تنبثق ذهنيةُ العنفِ ناهيك عن إنخفاضِ معنى الحياةِ الإنسانيةِ كقيمةٍ – سواء كانت حياة الشخص نفسه أو حياة الآخرين. وقد قادني الإنشغال بشئونِ المجتمعاتِ العربيةِ والإسلاميةِ لأن أرى بوضوحٍ المعادلةَ التي أُسميها "معادلة التدمير": الحكم الأوتوقراطي يؤدي لوقف الحراك الإجتماعي .. وقف الحراك الإجتماعي يقضي على الكفاءةِ في سائرِ مجالاتِ المجتمعِ .. القضاء على الكفاءةِ في سائرِ مجالاتِ المجتمعِ يولد طاقةً شريرةً عملاقةً هي "اليأس" .. طاقةُ اليأسِ تفرز ذهنيةَ العنفِ وإسترخاص الحياة الإنسانية وتولد رغبات هائلة في الإنتقام.

١.1
خضعت مجتمعاتٌ إسلاميةٌ خلال العقودِ الأخيرةِ لأشكالٍ مختلفةٍ من "الطغاةِ" الذين حكموا بلدانهم بيدٍ من حديدٍ وفي ظلِ أتوقراطيةٍ واسعةٍ أدت في كثيرٍ من الأحوال إلى "مسلسل التداعي" الذي وصفته من قبل وهو: إستبداد يلغي الحراك الإجتماعي .. إنعدام الحراك الإجتماعي يشيع عدم الكفاءة في كل المجالات .. ظاهرة عدم الكفاءة عامة تؤدي لإنهيار في كلِ المستوياتِ يولد شعوراً باليأس والغضب ومنهما تنبت "ذهنيةُ العنفِ" لاسيما وأن غير الإكفاء (The non-competent) يجعلون منظومةَ التعليم عاملَ تدهور إضافي لكافة المستويات. وفي كل تلك المجتمعات ما أن تحدث متغيرات تجعل الطاغية يسقط (سوهارتو في إندونيسيا .. صدام حسين في العراق) حتى يبرز على سطحِ الحياةِ العامةِ فجأة رموزُ الفهمِ الوهابي للإسلام وهم يطرحون أنفسهم بمثابة "المخلص"! وينخدع البعض ويقولون: أن هؤلاء هم القوة السياسية الوحيدة التي تفرزها هذه المجتمعات. والخطأ هنا مركب: فالذي أفرز هؤلاء هم "الطغاة" و"طرائق حكمهم الأتوقراطية" التي قتلت الحراك الإجتماعي ومنعت نمو المجتمع المدني وعممت "عدم الكفاءة" وجعلت دنيا السياسة مكونةً من أفقين: أفق فوق الأرض (وعليه الطغاة وأركان نظمهم فقط) وأفق تحت الأرض (وفيه رموز الفهم الوهابي والذين أصبحوا متدربين أفضل تدريب على النمو تحت الأرض في ظل السرية والمطاردة) .. وما أن ينزاح الطغاة حتى تبرز القوى السياسية الوحيدة التي كانت قائمة (تحت الأرض) وفي ظل إنعدام المجتمع المدني وإختفاء الحراك الإجتماعي وشيوع عدم الكفاءة ، فإن المسرح يكون معداً لفريق جديد من الطغاة سيكونون طغاةً وغيرَ أكفاءٍ في آنٍ واحدٍ .. وسيأخذون مجتمعاتهم لدرجاتٍ أشد إنحداراً من التأخرِ والتخلفِ والبعدِ عن معادلةِ التقدم والحداثة والإستغراق في مشكلاتٍ إجتماعيةٍ لا حصر لها.
وبإختصارٍ: فإن طغاةَ ما فوق الأرض وطغاة تنظيمات تحت الأرض على السواء من ثمار المعادلة التي أعود لها هنا المرة تلو المرة: نظام سياسي أتوقراطي (إستبدادي) يشل الحراك الإجتماعي ، فيسود غير الإكفاء في كل المجالات ، فتنخفض كل المستويات ، فيشيع اليأسُ وتنبثق وتستفحل ذهنيةُ العنفِ ولا يكون بوسع مؤسستي "التعليم" و"الإعلام" إصلاح تلك التراجيديا ، لأن هاتين المؤسستين قد فسدتا أيضاً على يدِ غير الإكفاء .
وإذا قال قائلٌ: لماذا لا ينتشر إلاِّ هذا النموذج كلما سقط طاغية في مجتمع إسلامي أو عربي .. كان الجدير بنا أن نقول له "إن الذي إنتشر هو اليأس الذي هو الثمرة الطبيعية لنظمِ حكمٍ أتوقراطيةٍ لم تبق أحداً فوق الأرض – ولم يعش في ظلها إلاِّ لك المارد "تحت الأرض" .. والعلاج الوحيد يبدأ من بداية السلسلة لا من نهايتها.

۱.2
خلال السنواتِ ما بين 1967 و 1973 (وهي سني دراستي لدرجتي الليسانس في الحقوقِ والماجستير في القانون العام والمقارن) تعرفتُ معرفةً مبدئيةً على "علمِ أُصولِ الفقه". وفي سنواتٍ لاحقةٍ (كنت أقوم خلالها بالتدريس بجامعاتٍ بالخارجِ) عكفتُ على دراسةٍ واسعةٍ لعلمِ أُصولِ الفقه – وخرجتُ عن دائرةِ المذاهبِ السنيِة الأربعِة لشتى مذاهبِ الفقه الشيعي (وأهمها فقه الأمامية) ولسائرِ مذاهبِ فقه الخوارج بفرقهم الأربع الرئيسية (وأهمها فقه الإباضية الذائع في منطقةٍ صغيرةٍ بالجزائر وفي معظمِ سلطنِة عُمان) ومدارسٍ أُخرى في الفقه إندثرت (مثل فقه الطبري صاحب التفسير المشهور باسمه وفقه الليث). وقد أخذني التوغلُ في دراسِة أُصولِ الفقه لعوالمٍ أُخرى لصيقة الصلة بهذا المجال لعل أهمها "علم الكلام" (أو الفلسفة الإسلامية) – إذْ أَوغلتُ في مطالعةٍ متأنيةٍ لما أبقاه الزمنُ من آثارِ المعتزلِة والأشاعرِة …كما كان لصديقٍ مقربٍ (هو الدكتور محمود إسماعيل) أثر كبير في تعريفي على عوالمِ ما يُسمى بالفرقِ الباطنيةِ في التاريخ الإسلامي (وهذا الصديق من أكثر من قرأت له تعمقاً في فكرِ الخوارجِ والقرامطِة وعددٍ كبيرٍ من الفرقِ السريِة "حسب تسميته" في تاريخ المسلمين).
فابن رشد يتعامل مع النصوص بطرائق جد مختلفة عن طرائق تعامل ابن تيمية والمودودي وسيد قطب معها. فمجرد التعويل على نص دون آخر ، أداة هدم يمكن أن يستعملها الآخرون. فالدارس الموضوعي للتوراة والتلمود (ولاسيما التلمود البابلي "الجمارة") ، لا يسمح لنفسه بأن يقف عند كلمات قالها يشوع بن نون في موقف معين ذي إطار تاريخي وزمني ومكاني محدد. ولا يستطيع أن يتخذ من "الصداق" (المهر) الذي طلبه الملك شاؤول من داود بن يسي البيتلحمي (الملك داود عند اليهود والنبي داود عند المسلمين) ليزوجه من ابنته ميكال دليلاً على شئ في غير إطاره التاريخي ، بمعنى أنني لا أستطيع أن أقتطفُ نصاً أو نصوصاً كهذه وأعدو بعيداً مشهراً بها على الآخرين بمعزل عن الإطار التاريخي والإنساني والمرحلي للنص.

وبإختصار ، فإنه من المؤكد أنه ليس هناك فهم واحد للإسلام ، وإنما عشرات الأشكال والأنواع. فهناك من يرفض معظم الأحاديث النبوية ولا يقبل منها إلاِّ عشرات (مثل أبى حنيفة النعمان) وهناك من يقبل في كتابه "المسند" عشرات الآلاف (أحمد بن حنبل).

وهناك من يعتمد مصادراً للفقه غير مصادر غيره (الإستحسان عند الحنيفة والمصالح المرسلة عند المالكية .. إلخ).

وهناك من يتجاوز الآفاق الضيقة للتفسير ويفتح بوابات العقل على ما يسميه "التأويل" (ابن رشد).

وهناك من يسمي عقوبة شرب الخمر (حد الشرب) مثل معظم الفقهاء. بينما هناك من يسميه (حد السكر) مثل أَبي حنيفة القائل عن الخمر (لو أَلقوني في النار ما شربتها .. ولو أَلقوني في النار ما قلت أنها حرام).

۱.2.1

منذ قرنِه الأول عرف الإسلامُ مجموعاتٍ متطرفة بمحاذاةِ تيارٍ عامٍ متوسط وبعيد عن العنفِ والتطرفِ وأُحاديةِ النظرة وإحتكار الحقيقة. فمنذ سنة 660 ميلادية (منتصف القرن الهجري الأول) برزت فرقةُ الخوارج والتي إتسمت بالغلو الشديد في التمسكِ بفهمها للإسلامِ وتكفيرِ من يحيد عن فهمهم هذا. وفي القرونِ التاليةِ ظل الإسلامُ يعرف تياراً عاماً وسطياً (معتدلاً) وتيارات جانبية بالغة التطرف والعنف. وقد أعطى الدكتور محمود إسماعيل عبد الرزاق حياته العلمية وجهده العقلي الفذ لدراسةِ هذه المجموعات المتشددة والتي أطلق عليها تسمية "الحركات السرية في الإسلام" وكتب عن فرقها بحوثاً بالغة العمق وخص مجموعةً منهم بدراسةٍ معمقة وهم القرامطة الذين قاموا بخطف الحجر الأسود وأخذوه لموقعٍ بعيدٍ في شرق الجزيرة العربية لأكثر من قرنٍ من الزمان.
وإلى جانب كل تلك التوجهات والمذاهب والفرق - ، هناك متشددونمن اليوم الأول وحتى هذه اللحظة: من حمدان بن قرمط الذي خطف الحجر الأسود من الكعبة إلى سكّان كهوف وزيرستان ومروراً بسيد قطب الذي قدم للمسلمين نظرية ستبقى سوراً يفصلهم عن الإنسانية والتقدم حتى يهدم هذا السور ، وأعني "نظرية الحاكمية" والتي فحواها أن البشر لا يحكمون البشر وإنما يحكمهم الله (ويبقى السؤال التراجيدي: ومن سيقول لنا على أحكام الله؟ .. والجواب: "نحن العلماء"!! وهكذا ، نكون سجناء لثيوقراطية تجاوزتها مسيرة التقدم الإنساني ونكون أصحاب أكبر طبقة رجال دين بعد أن كررنا مراراً (أنه ليس في الإسلام طبقة رجال دين) ناهيك عن مأساة (وملهاة) تسمية رجال الدين بالعلماء! (أحد هؤلاء العلماء قال ذات يوم غير بعيد (في صيف 2005) رداً عن سؤال: "من هو Bill Gates – قال: "لا أعرف .. وليس من المهم أن أعرف" (وهي إجابة تلخص العزلة والإنفصال عن الإنسانية ومسيرة التمدن).

وإلى جانب التيارات التي كانت تُغالي في التطرفِ والحرفية وإيجاد قواعدٍ تفصيليةٍ لكل أُمورِ الحياة، كان هناك التيار العام والذي يمكن تلخيصه في المذاهب السنية الرئيسية (وأهمها مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعي ومذهب أحمد بن حنبل ومذاهب أخرى اندثرت مثل مذهب الليث ومذهب الطبري) وكذلك المذاهب الشيعية العديدة (وأشهرها الإمامية). وداخل التيار العام كان هناك من يفسح مجالاً للعقل (الرأي) مثل أبي حنيفة الذي لم يقبل من الأحاديث النبوية إلاَّ أقل من الأحاديث الواردة بصفحة واحدة من صحيح البخاري - وهو ما يفسح المجال للرأي. وفي المقابل كان هناك مذهب أحمد بن حنبل الذي يضم كتابه (المسند) أكثر من عشرة آلاف حديث ؛ وهو ما لم يترك شيئاً بدون تنظيم وهو ما يجعل النقل هو السائد والعقل هو الغائب. ولتيار أَحمد بن حنبل ينتمي فقيهان آخران هما ابن تيمية وابن قيم الجوزية وهما مثل أَحمد بن حنبل لا يتركون مساحة تذكر للعقل والرأي وإنما لديهم أحاديث تنظم شتى جوانب الدين والدنيا بكلِ تفاصيلِها. ويضاف لذلك أن العقلَ الإسلامي واجه ما يشبه المعركة بين أبي حامد الغزالي والذي لا يؤمن بأن العقلَ قادرٌ على إدراك الحقائق وبين ابن رشد أكثر مفكري العرب إعلاءً لشأن العقل ؛ وهو ما يتضح من التناقض الواضح بين آراء الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وآراء ابن رشد في كتابه الفذ (تهافت التهافت). والخلاصة أنه في عالم الفقه (وهو عمل بشري محض) فقد كان التوسع للمدراس التي تحبذ قبول آلاف الأحاديث عن إِعمال الرأي؛ وبمحاذاة ذلك ففي عالم الفكر ( علم الكلام بلغةِ العرب في ذلك الزمان والفلسفة بلغةِ العصر) فقد كانت أيضاً الغلبة لمدارس النقل والحدس (الغزالي) وقلة أثر مدرسة العقل (ابن رشد) (وإن كان الأوروبيون هم الذين إستفادوا من طروحات ابن رشد).
وخلال رحلةٍ إستغرقت نحو عشرين سنة تكوّن لدي نفورٌ قويٌ من الذين أُسميهم "عبدة الحرف" و "أسرى النقل" ؛ كما تكون لدي ولعٌ شديدٌ بأصحابِ العقلِ وفي مقدمتهم "إبن رشد" الذي إستفادت منه أوروبا وخسرناه نحن (وخسرنا معه فرصةً تاريخيةً للتقدمِ). ورغم مطالعتي المدققة لكلِ آثارِ ابن تيمية وأعلام مدرسته (من ابن قيم الجوزية إلى محمد بن عبد الوهاب في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي) – فلم تزدن تلك المطالعةُ إِلاَّ نفوراً من هذا التيارِ الكاسحِ وفي نفسِ الوقتِ زاد ولعي من جهةٍ بالمعتزلةِ ومن جهةٍ أُخرى بمن قطعوا رحلةً طويلةً على "دربِ العقلِ" مثل ابن سينا والفاربي …ثم بإمامِ أهلِ العقلِ قاطبةً "ابن رشد".
وكنتيجةٍ لتلك الصورة العامة فقد عرف المسلمون نمطين لفهم الإسلام: نمط متشدد شديد الغلو في التحريم والتجريم والتنظيم ، ولم يكن هذا النمط موجوداً إلاَّ في الفرق السرية (وهى قليلة في عِددها وأثِرها) وفي المناطق البدوية بالجزيرة العربية. أما الأماكن الأكثر إزدهاراً عقلياً وذات الجذور الحضارية العريقة مثل مصر والعراق وتركيا وبلاد سوريا بالمعنى الواسع فقد ساد فيها فهم للإسلام يتسم بدرجة عالية من المرونِة والتسامحِ وقبولِ الآخر وعدم تكفير أصحاب الرؤى المختلفة.

إن النصوص الإسلامية تحتمل كل التفسيرات. وقد قالها أوائل المسلمين منذ ألف وأربعمائة سنة عندما كرروا (القرآن حمّال وجوه). والعبرة ليست بالنص (أي نص) وإنما بمن يقرأ ويفهم ويقدم النص.

وعندما كنتُ أعكف على مطالعة أَعمالٍ للغزالي مثل (إحياء علوم الدين) و(معيار العلم) و(معيار العمل) و(المنقذ من الضلال) و (المستصفى من علم الأصول) و (تهافت الفلاسفة) وأُقارن قدر ما بها من "بُعد عن العقل" وما بكتابات ابن رشد من "ثقل عقلاني هائل" كنت أُذهلُ: كيف نالت كتاباتُ "الغزالي" كل هذا التقدير(المبالغ فيه إلى أبعد الحدود) وكيف نالت كتابات "ابن رشد" كل هذا التجاهل (المبالغ فيه إلي أبعد الحدود): ويكفي أَن يعكف قارئٌ جادٌ على مطالعةِ كتابِ (تهافت الفلاسفة) للغزالي ثم يعقب ذلك بمطالعته لكتاب ابن رشد (تهافت التهافت) ليرى البونَ الشاسع في العمقِ وإِعمالِ العقلِ. كذلك ما أكثر ما تساءلت: كيف أخفى مؤرخو الفكر الإسلامي مواقفَ الغزالي المؤيدة للحكام المستبدين بشكلٍ مفرطٍ؟ …وفي المقابل: فقد كان "ابنُ رشد" مصدرَ ألمٍ دائمٍ للحكامِ المستبدين الراغبين في (تنويم العقول) لأن في ذلك الضمانة الكبرى لأمرين: بقاء الأَحوال على ما هي عليه ثم بعدهم عن المسائلةِ، فالعقلُ هو مصدر الأسئلة، والأسئلة تؤدي للمساءلة، وكما يردد صديقٌ من المفكرين المستنيرين: فإن الأسئلة مبصرةٌ – والأجوبة عمياءٌ !

وأكررُ أنه كثيراً ما شغلني هذا السؤَالُ :لماذا إنتصرَ المسلمون لأبي حامد الغزالي (وهو يمثل النقل وتقديس السلف ولا معنى للعلم عنده إلاَّ العلم بالدين ويفتح المجالَ أمام إلغاء العقل كليةً بإنكاره إمكان تحصيل المعرفة (أو إدراكها) بالحواس في مواجهةِ ابن رشد (وهو العامـر بنـورِ العقلِ والزارع لكلِ بذورِ نهضةٍ خسرناها)؟ …ما الذي سهَّل للغزالي هذا الإنتشار، وصعّب على ابن رشـد مثلـه؟ …وقد إستغرقَ الأمرُ سنواتٍ عديدةٍ لأعرف أن العلامةَ الفارقَة كانت هي (الإستبداد). فكيف يمكن لحكامِ المسلمين في زمنِ الغزالي وابن رشد أن يروق لهم فكرٌ إلاَّ فكر الغزالي؟ وكيف لأوروبا التي كانت تحارب معركتها العقلية مع الكهنوت أن تنتصر لأحدٍ كما إنتصرت كليةُ الآداب بجامعةِ باريس في القرن الثالث عشر لأفكارِ ابن رشد؟ …لقد كان الإستبدادُ في عالِمنا سائراً نحو ذروته – فكان الإعجابُ بكتاباتِ من وصل لحدِ إلغاءِ دورِ العقلِ هو الإختيار الواقعي الأمثل. وكان الإستبدادُ في أوروبا قد بدأ يترنح، لذلك فإن قوى التنوير قد نصرت ابن رشد العربي المسلم على توماس الأكويني الأوروبي المسيحي (صاحب نظرية السيفين).

وهكذا يتضح أن " الإستبدادَ" و "الآراءَ المتشددة" و" طغيانَ رجالِ الدين" و "الدعوةَ للحدِ من إستعمالِ العقلِ والإسراف في النقلِ" هي كُلها مجموعة من الأشقاء المتماثلين في ملامِحهم ومادِتهم الخامِ التي صُنعوا منها كما أَنهم متماثلون في الغاياتِ. ومع ذلك، فإن الأمورَ ليست كلها أما "سوداء" أو "بيضاء" : فرغم أن المسلمين لم يتح لهم أن يستثمروا فكر إبن رشد بالكيفيةِ المُثلى والتي كانت قمينةً في إعتقادي بجعلِ المسلمين على طريقٍ تشبه الطريق التي سارت عليها أوروبا منذ القرن الثالث عشر حتى بلغت ما بلغت من رقى في الفكرِ والحرياتِ العامةِ والإبداعِ والآدابِ والفنونِ والعلومِ.
إِلاَّ أن المسلمين عرفوا (بنوعٍ نسبيٍّ من التعميم) "إسلامين" : إسلام يمكن وصفه بالإسلام التركي/المصري وإسلام يمكن وصفه بإسلام البداوة.
أما الأول، وهكذا فإنه يمكن القول أنه حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي كان هناك فهمان للإسلام (كما ذكرنا آنفاً (: فهم متطرف متشدد يكثر التحريم ووضع القواعد التفصيلية لكلِ أمورِ الدين والدنيا …وهو الفهم الصحراوي البدوي الذي ساد في مجتمعاتِ كثبان الرمال بشرق الجزيرة العربية. أما الفهمُ الثاني المتسم بالتسامح والمرونة والقبول النسبي للآخر وعدم وضع قواعد تنظيمية تفصيلية لكل أمور الدين والدنيا فهو ما أُسميه بالفهم المصري/التركي/السوري للإسلام والذي شاع في معظم المجتمعات الإسلامية خارج كثبان الجزيرة العربية.

ورغم معرفتي أن هذا الإسلام التركي / المصري لا يمكن وصفه بأنه كان علمانياً، إِلاَّ أنه كان كذلك في جوانبٍ عديدةٍ منه وليس بمعنى إنكار الدين وإنما بمعنى النظر للدينِ كدينٍ وليس كنظريةٍ متكاملةٍ للحياةِ وتنظيمِ أمورِ المجتمع. فلا أملك أن أصفه بأنه كان مشبعاً بدرجةِ النورِ والتقدمِ والحريةِ التي كانت في فكرِ ابن رشد، ولكنه كان بمعايير القرن التي وجد فيها سمحاً بشكل نسبي معقول.

١.2.2
وفي أماكنٍ أخرى، أخذت مجموعاتٌ بشريةٌ فرضت عليها العزلةُ الجغرافية لكونها في مواقعٍ داخلية غير ذات صلاتٍ بالعالمِ الخارجي ولا تعيش على (السواحل) في تنميِة أفكارِ مدرسة إبن تيمية ثم ابن قيم الجوزية حتى وصلنا إلى أفكار محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وهى الأفكار التي يمكن وصفها بأنها سبيكة من الروح النجدية البدوية المتعصبة التي أنجبت "الإخوان" (السعوديين) الذين حاربوا الملك عبد العزيز بن سعود (1870/1953) في عشرينيات القرن العشرين ثم أضيفت لتلك السبيكة ثمارالذهنية القطبية ، مع أموال البترول ، مع أخطاء دولية بلا حساب كما حدث في أفغانستان في أواخر السبعينيات وكما حدث في مصر عندما أحاط رعاة الإخوان المسلمين الكبار ممثلين في أكثر رجال الأعمال وقتئذ ثراءً بأنور السادات وجعلوه يلعب بالشيطان أي يطلق العنان للجماعات الإسلامية في كل مكان ليحاربوا له (ونيابة عنه) التيار اليساري.

لم يكن محمد عبد الوهاب الذي إليه ينسب المذهب الوهابي فقيهاً وإنما رجل دعوة. ولكنه ينتسب (فكرياً) لأكثرِ التياراتِ الإسلاميةِ تأسيساً لمذهبها على "النقل" وأقلها إتاحة مساحة "للعقل". فبشكلٍ ما يمكن نسبة محمد عبد الوهاب لإبن تيمية (ونسبة إستعمال "العقل" عنده قليلة ونسبة "النقل" مطلقة). يُضاف لذلك أثر البيئة الجغرافية. فبينما عرفت مصرُ وسوريا ولبنان والعراق واليمن حضاراتٍ قديمةٍ تركت أثرَها على التاريخ الإنساني .. وبينما عرفت أماكن مثل "دبي" و"الحجاز" تعاملات واسعة (بسبب التجارة) مع "العالم الخارجي" – فإن صحراء "نجد" في القسم الشرقي مما هو الآن "السعودية" لم تعرف (بحكم طبيعتها الصحراوية الموغلة في الشدةِ والجفافِ) أيةَ حضارةٍ قبل الإسلام .. ولم تكن مركزاً لأية حضارةٍ بعد إنتشاره (مثلما كانت عواصمُ الخلافة: المدينة ودمشق وبغداد). ولا يعرف الدارسُ لنجدٍ أية مساهمات لهذه المنطقة في الفنون والآداب والموسيقى إلاِّ الشعر.
وأخيراً ، فإن محمد بن عبد الوهاب ليس فقيهاً على الإطلاق وإنما داعية تياره معالم الذهنية النجدية التي يجب أن تفهم من خلال الكلمات التالية : ذهنية / قبلية / بدوية / صحراوية / داخلية. ولو لم يوجد البترول في هذه المناطق لبقت تلك الذهنية أسيرة جغرافيتها الطبيعية أي كثبان رمال نجد التي لم تنتج أي فكر أو فن تشكيلي أو موسيقى أو أدب روائي أو أدب قصصي وإنما إكتفت بإنتاج شعر موضوعه الوحيد الترويج لقيم القبيلة النجدية .

كان ذلك هو وضع عالم المسلمين حتىولد بصحراء نجد في سنة 1703 محمد بن عبد الوهاب وهو الرجل الذي صارت الأمور في نجد على هواه بعد ذلك ؛ فحدث في عام 1744 حلف بينه (وعائلته) وبين محمد بن سعود قاضي الدرعية (وأهله أيضاً) وهو الحلف الذي يقوم على أن يحكم آل سعود وفق فتاوى آل الشيخ (محمد بن عبد الوهاب وعائلته أي الوهابيين). وهو الحلف الذي أدى لما يمكن أن نسميه الدولة السعودية الأولى والتي سيطرت منذ سنة 1804 على ما يقرب من مليون ميل مربع في الجزيرة العربية حتى استأصل شأفتها وسحقها إبراهيم ابن محمد علي الكبير في سنة 1819 وهو عام تدمير الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى.

وكان من الطبيعي أن يحدث صدامٌ بين "الصنفين" : وهذا ما وقع في سني العقدِ الثاني من القرنِ التاسع عشر وفي شكلِ مواجهةٍ بين التيارين، قاد التيار الأكثر استنارة فيه جيشٌ مصريٌ بقيادةِ طوسون بن محمد علي ثم من بعده بقيادة إبراهيم (أعظم أبن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مقدمات الشمولية

كتبها mohamed elhanafi ، في 6 أكتوبر 2009 الساعة: 07:06 ص

 

مقدمات الشمولية
 
سلامة كيلة

salamehkaileh@hotmail.com
 
الاساس الاجتماعي للتحولات السياسية
(1)
إن تناول التكوين الراهن للسلطة السياسية يفرض البحث في أساسها الاقتصادي الاجتماعي، لأن "السياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد" وفق رأي لينين(1)، وربما كانت دراسة التحوّلات التي أحدثها الجيش في عدد من البلدان العربية (وربما في مواقع أخرى من العالم الثالث)، توضح عمق هذه الفكرة الاساسية، حيث ستبدو حركة الجيش كتعبير عن تململ الريف وأزمته(2)، وكذلك التعبير عن ميله لتغيير ميزان القوى، بما يعيد ترتيب "العلاقة" بين ا لريف والمدينة(3) من جهة، وبين المالكين (ملاك الأرض) والفلاحين من جهة أخرى. ولهذا ستبدو هذه الحركة مختلفة عن كل التحولات التي حدثت في القرنين التاسع عشر والعشرين، لأنها حركة ريف بامتياز، وهدفت بالاساس لاعادة صياغة وضع الريف، رغم أنها حملت "حلم" تحقيق نهوض شامل، يستند إلى تطوير الصناعة، ويؤسس لبناء مجمع صناعي حديث.
فلقد لعبت البرجوازية الناهضة دور تحقيق التحوّلات، وأسست لنشوء النمط الرأسمالي الحديث، الذي فرض أن تصبح الرأسمالية التابعة هي الشكل الوحيد للرأسمالية في الأطراف، في إطار سوق اقتصادية عالمية يسيطر عليها الغرب الرأسمالي، حسب ما يعتقد د. هشام شرابي(4).
وبذلك استمر التكوين الريفي لهذه المجتمعات وتعمق، وكذلك تداخل ومصلحة الرأسمال في المراكز، ليبدو التطور الصناعي محتجزاً(5)، ويبدو كذلك أن التناقض في الريف هو الذي يحكم مجمل التناقض في المجتمع، حيث يشتد تمركز الملكية العقارية، ويتعمق اضطهاد الفلاحين وإملاقهم، ولتكون السلطة/الدولة هي سلطة كبار الملاّك بالاساس، المتشابكين مع الرأسمالية التابعة، رأسمالية التجارة والمصارف والمضاربات.
كان البديل عن "التطور الطبيعي" (وأقصد الترسمل عبر تشكل رأسمالية صناعية وهيمنتها) هو الثورات التي تقودها أحزاب ماركسية، والتي أفضت ـ بالاستثناء إلى الريف ـ إلى فتح أفق التصنيع والتحديث، (وإن كانت قد حققت كل ذلك تحت إدعاء تحقيق الاشتراكية)، وبالتالي إعادت تشكيل المجتمع على أسس جديدة، لعبت الفئات ذات الأصول الريفية دوراً مهماً فيها (وفي شكلها). وبهذا فقد كان الريف منقاداً لفئات مدينية، ولأفكار حديثة (وإن كان قد أثر فيها بصيغة ما).
دور الجيش جاء في المسافة بين احتجاز التطور الرأسمالي، والعجز الواقعي عن أن تلعب الأحزاب الماركسية دور المحقق لآليات التطور، ليبدو وكأن تناقضات الريف هي التي حكمت مجمل العملية، وأقصد بدا وكأن الفلاحين الفقراء هم من يحدد مسار التطور وطبيعته، وشكله كذلك، وليتحوّلوا إلى "طبقة مهيمنة في اواسط القرن العشرين"(6). إن تناول الأنظمة التي حكمتها الحركة القومية العربية بالدراسة يفترض أن نلحظ طابعها العسكري أولاً، وطابعها الريفي ثانياً، وهما أساس تكوينها الشمولي، وسلطتها الاستبدادية. إنهما في جذر ذلك، وستبدو مصالح الفئات التي لعبت هذا الدور من جهة، وطبيعة وعيها ومستوى الايديولوجيا التي تنحكم لها من جهة ثانية، ستبدوان في أساس هذا الشكل من السلطة، الذي أسماه د. هشام شرابي المجتمع البطركي الملقح بالحداثة(7)، المنحكم لسلطة بطركية محدثة(8)، هذا ما نلاحظه في الثورات في مصر، سورية، العراق، والسودان، واليمن الشمالي، رغم الاختلافات الممكنة بينها.
هذا يعني ـ ونحن نتناول وضع سوريا ـ العودة إلى الجذور الطبقية للفئات التي أحدثت التغيير منذ 8 آذار 1963(*)، ويعني، بالتالي، أن نبحث في المشكلات الاساسية التي كان يعيشها المجتمع، والتي قادت إلى أن تلعب هذه الفئات دوراً محورياً في المرحلة التالية.
(2)
فبعد انقلابات متعددة لم تدم طويلاً، سيطر الجيش على السلطة في 8 آذار 1963 (عبر تحرك ضباط من رتب عسكرية دنيا). ورغم أن حزب البعث هو الذي أصبح الحاكم (بعد تصفية الناصريين في تموز 1963)، إلا أن السلطة بدت أنها في قبضة الجيش، لقد صنع الجيش انقلاب 8 آذار 1963، وأتى بالحزب إلى الحكم، ليعاد تشكيل الحزب بعد أن حلّ نفسه سنة 1958 على مذبح الوحدة مع مصر، وكان آنئذ في مرحلة تجميع قواه بعد الانفصال في أيلول 1961، لهذا كان تحرّك "بعثيي" الجيش أسبق من تحرك الحزب، ولهذا جاء إلى السلطة بقوة الجيش، وليس بقوته كحزب. ولقد كانت مرحلة 63 ـ 66 (أي إلى انقلاب شباط 1966) هي مرحلة الصراع بين الحزب والجيش، أو هكذا كانت في الجوهر (أي اللجنة العسكرية من جهة وقيادة الحزب من جهة أخرى)، ما لبثت أن انتهت بالتخلص من سيطرة الحزب تدريجياً، ليتحول منذ سنة 1970 إلى واجهة. لكن مرحلة 1966 ـ 1970 (وربما أيضاً منذ تصفية الناصريين في الجيش في تموز 1963) هي مرحلة الصراع بين مراكز قوى في الجيش ذاته، حسمت في 16 تشرين الثاني سنة 1970.
يشير د. غسان سلامه إلى أن الجيش المشكل من قبل الاستعمار الفرنسي استند ـ وفق خطة الاستعمار الفرنسي ذاته ـ إلى قوة نظامية قوامها البشري من الأقليات(**) على تنوعها، لهذا ورثت دولة الاستقلال جيشاً قوامه من الأقليات، وإن كان يقاد من ضباط اختيروا من أبناء كبار ملاّك الأرض وأعيان المدن. وستقود الانقلابات المتوالية إلى تراجع دور العديد منها، حيث أصبح دور الاكراد هامشياً، وضعف دور الضباط السنة ذوي الاصول المدينية، ثم تراجع "دور الضباط الدروز، أو ذوي الاصول الحورانية إقليمياً، بينما بقي دور الضباط المسيحيين محصوراً بالأمور التقنية وغير السياسية،…"(9). وإذا كانت الدراسات المختلفة تولي البعد الطائفي جلّ اهتمامها(10)، فسأناقش المسألة من زاوية أخرى، لأنني أراها أكثر عمقاً، وتعبّر عن الواقع بشكل أدق،ليبدو "البعد الطائفي" فيها، كمدخل له، أو كتعبير عن مستوى آخر. لهذا ستبدو الصراعات، ومن ثم التصفيات كنتيجة لتناقضات واقعية، وكتعبير عن صراع بين فئات اجتماعية مختلفة ومتخالفة، ما دمنا ننطلق من أنه ليس من قوة أو سلطة بلا أساس طبقي، وما دامت تبدو السلطة أو يبدو الجيش (أو الأحزاب) كتعبير عن طبقة، أو "قطاع" منها.
وفق ذلك سيبدو انتقال مركز الهيمنة من الحزب إلى الجيش كتعبير عن الانتقال من هيمنة الفئات المدينية (التي كانت قوام قيادة الحزب وكادره النشط) إلى هيمنة الفئات الريفية(11)، التي دخلت كذلك في عملية تصفية فيما بينها أفضت إلى هيمنة تمركز محدد، حكم البلاد طيلة السنوات الثلاثين الماضية. لكن إذا كان الجيش قد لعب الدور الأساسي في استلام السلطة، فقد فرض ـ في النهاية ـ مصالح فئات إجتماعية محددة، وستبدو ملاحظة فؤاد شحادة الخوري على قدر من الدقة، حيث يشير إلى "إن تدخل العسكر في السياسة وسيطرته على مقدرات الحكم، قد حصل في البلدان العربية التي تتسم بالنظام الفلاحي ـ الزراعي، كسورية ومصر والجزائر والسودان والعراق"(12)، حصل في البلدان "التي تتصف مجتمعاتها بالتنظيمات الفلاحية ـ الزراعية المنبثقة من خلفية إقطاعية.."(13). لهذا يلاحظ د. خلدون حسن النقيب بأن معظم الضباط جاءوا من المدن الصغيرة والريف "ولم يأتوا من المراكز الحضرية الرئيسية"،، و "إن الغالبية العظمى من هؤلاء الضباط جاءت من الفئات الفقيرة والمسحوقة من الطبقة الوسطى الريفية والحضرية الهامشية"(14).
ولاشك في أن حنا بطاطو هو أكثر (وربما أوّل) من حاول تناول الاساس الاجتماعي للفئات التي حكمت عبر الجيش، لهذا اعتبر بأن الثورات التي تحققت في مصر وسوريا والعراق، تحققت عبر تحالف جماعات مختلفة، تتقاسم جذوراً ريفية متشابهة، وتوجهات ريفية متشابهة كذلك(15). ويؤكد على "تغلفل الريفيين عميقاً في الجيش السوري"(16)، "فقد كانوا كما يجدر بالمرء أن يتذكر أناساً من أصول ريفية ومتواضعة، وسلكوا مسلكهم على هذا النحو، أي حسب ما أملاه وضعهم البنيوي من نوازع غريزية وميول طبيعية"(17). ولا شك في أن دراسة نسبة الجنود والضباط من أصول ريفية في مجمل الجيش توضح الطابع الريفي له، وسيوضح تكوين الأنظمة التي أسسها هذا الطابع كذلك.
أوضح هنا بأن الفارق بين انقلاب 8آذار 1963 والانقلابات السابقة يتحدد في أنه تحوّل إلى صيغة لتغيير التكوين الاقتصادي الاجتماعي بمجمله (ربما انقلاب حسني الزعيم حاول شيئاً من ذلك). وإذا كانت بداية التحولات قد تحققت مع الوحدة المصرية السورية، فإن كل التكوين التالي جاء نتيجة السياسات التي اتبعت بعد ذلك (إكمال الاصلاح الزراعي، والتأميم…). والسؤال الذي يطرح هنا يتعلق بالظروف التي فرضت أن يتكوّن الجيش من فئات ريفية؟ ولماذا لعب هذا الدور وعمّا عبّر؟.
إذا كان الاستعمار الفرنسي قد استند إلى الأقليات وهو يؤسس الجيش الذي يخدم مصالحه، فقد تطابق هذا الاختيار ووضع هؤلاء الريفي، لكن سنلاحظ بأن الجيش تأسس فعلياً بعد الاستقلال سنة 1946، حيث لم يكن قبل ذلك سوى قوة صغيرة، ولهذا يجب أن ندرس أسباب الانخراط في الجيش بعيداً عن محاولة الاستعمار الفرنسي الافادة من بعض مجندي الاقليات في تنفيذ سياساته.
المسألة هنا تتعلق بأن الجيش في التكوين الفلاحي ـ الزراعي يوفر للريفيين "وسيلة للارتقاء الاجتماعي" سواء كان الحكم للعسكريين أو المدنيين"(18). حيث تصبح الوظيفة في الجندية أو في الدولة وما يتأتى عنها من ضمانات صحية وعائلية "هدفاً يصبو إليه العامة بشغف مرموق"، في وضع يكسب الفلاحون لقمة العيش بالمشقة وبالالتزام والارتهان إلى صاحب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مشكلات مفهوم المجتمع المدني

كتبها mohamed elhanafi ، في 6 أكتوبر 2009 الساعة: 07:02 ص

 

مشكلات مفهوم المجتمع المدني
 
 
سلامة كيلة

salamehkaileh@hotmail.com
 
 ( فصل في كتاب " تطور مفهوم المجتمع المدني و أزمة المجتمع العربي" تأليف غازي الصوراني، صدر عن مركز الغد العربي )
حاولت الفصول السابقة أن تعاين مفهوم المجتمع المدني في تاريخيته، منذ بدء تشكّل الرأسمالية، تلمُّس المعاني التي تضمّنها. لكنها أيضاً تعاين موقعه في الواقع العربي الراهن، محاولة إختبار شرعية استخدامه، بعد أن أصبح من المفاهيم المتداولة بكثرة منذ تسعينيات القرن العشرين، وبدا كأنه الحلّ الفكري لأزمة انهيار الاشتراكية، والصنو للدعوة إلى الديمقراطية.
فهل أن لهذا المفهوم شرعية؟ هل هو أداة منهجية تضيء فهم الواقع الراهن، أم أنه مطلب سياسي، أو إطار أيديولوجي؟ هل ثمة معنى واحد يُعطى له ،أم أنه بات جزءاً من الالتباس الفكري القائم؟
الفصلان السابقان يربطان المفهوم بنشوء المدنية الحديثة، التي تأسست مع الثورة الصناعية وتشكّل نمط الإنتاج الرأسمالي، وسيادة العقلانية والحداثة والمواطنة، وتسرّب الأفكار الديمقراطية وتحوّلها إلى "نظام سياسي"، وكذلك فاعلية الطبقات وتشكّلها في مؤسسات (أي نقابات). وهي تلحظ كيف طرح مفهوم المجتمع المدني كمضاد للمجتمع الديني، عبر السعي لتجاوز القرون الوسطى (المجتمع الإقطاعي). ثم يشير إلى طرحه كقابل للمجتمع السياسي لدى هيغل، وفهم ماركس لتلك الآراء.
لكن هذا الربط بين مفهوم المجتمع المدني والتشكّل الرأسمالي الحديث فرض التساؤل عن شرعية المفهوم في مجتمع لم يحقق "الثورة الصناعية"، وبالتالي لم يزل واقعاً تحت سيطرة بنى تقليدية هو المجتمع العربي، الأمر الذي يؤسس لالتباس عميق في استخدامه. وهذا اللبس يفرض البحث في الأسباب التي فرضت تحوّل مفهوم المجتمع المدني إلى مفهوم " مركزي ".
* * *
يحقّّب النص لنشوء المفهوم في الفكر الحديث، ويوصله إلى ماركس مشيراً إلى المعنى الذي حدّده له، وإذا كان يحدِّد هنا بأن المعنى هو "المجتمع البرجوازي"، فإنّ الأدقّ الإشارة إلى أن ماركس ساوى بين مفهوم المجتمع المدني الهيغلي وبين مفهوم البنية التحتية بالتحديد، حيث أطلق هذا المفهوم البديل، أي مفهوم البنية التحتية، لأن مفهوم المجتمع المدني الهيغلي كان يُقصد به المجتمع الاقتصادي(1) وليس المجتمع البرجوازي على العموم. هذا المفهوم الماركسي بات هو المفهوم المتداول، فقد تلاشى مفهوم المجتمع المدني وغاب عن التداول عقود طويلة، إلى أن أعاد غرامشي استخدامه في "كراسات السجن". يقول ماركس »وأدت بي أبحاثي إلى نتيجة هي أن العلاقات الحقوقية، - ومثلها في ذلك أشكال الدولة – لا يمكن أن تُفهم بذاتها ولا بالتطور العام المزعوم للروح الإنسانية، وإنما تغوص جذورها على العكس من ذلك في شروط الحياة المادية التي كان هيغل، على غرار الفرنسيين والإنكليز في القرن الثامن عشر، يفهم مجملها تحت اسم »المجتمع المدني«، وأنه يجب البحث عن تشريح المجتمع المدني بدوره في الاقتصاد السياسي«(2). لهذا تلاشى مفهوم المجتمع المدني. وكما كان »المجتمع المدني« هو المقابل للمجتمع الديني، وكذلك للمجتمع السياسي، فإن البنية التحتية هي »المقابل« للمجتمع السياسي (الدولة) والديني (الأيديولوجيا)، وهي المحدّد لهما.
أعاد غرامشي إنتاج المفهوم وهو يؤسس مفاهيمه حول الهيمنة والسيطرة، حيث عنى له مفهوم المجتمع المدني، »المجتمع في كليته«، أي النقابات والمدارس والكنيسة.. إلخ، وكذلك الحزب السياسي.. إلخ. وهو يسعى لتأكيد استراتيجية جديدة للنشاط السياسي تنطلق من الهيمنة الأيديولوجية على المجتمع عبر مؤسساته، حينما سعى للتمييز بين طبيعة الصراع الطبقي في روسيا التي كانت قد أوصلت البلاشفة إلى السلطة عبر الثورة، وطبيعة الصراع الطبقي في الأمم الرأسمالية، حيث الوضع مختلف (وأكثر تطوراً)، وبالتالي يفرض ليس الثورة، بل الهيمنة على المجتمع لكي يكون ممكناً السيطرة على الحيّز السياسي ( أي الدولة).
لكن هذا المفهوم »مات« مع غرامشي إلى أن بدأت أحداث أوروبا الشرقية (بولندا بالتحديد)، حيث عاد إلى التداول كون المجتمع يخوض صراعه ضد السلطة السياسية (المجتمع السياسي)، الشمولية والاستبدادية في آن، المهيمنة على كل المجتمع، والمعمِّمة لأيديولوجيا واحدة، وملحقة النقابات وهيئات المجتمع بها. منشئة القهر والاغتراب، وبالتالي الرفض، هذا الرفض كان يُصاغ تحت عباءة »المجتمع المدني«، وإذا كانت نقابات العمال هي المحرّك للصراع في بولندا (والمنتصر في النهاية)، فإن المعنى الأبرز توضَّح في تجربة تشيكوسلوفاكيا، حيث أصبح تعبير »المجتمع المدني« مستخدماً كإسم لحركة سياسية أسسها فاكلاف هافل الذي أصبح رئيساً للتشيك. هنا أصبح مفهوم المجتمع المدني يعني التعبير السياسي لكلية المجتمع التي كانت مبتلعة من قبل شمولية السلطة.
إذاً، إذا كان البحث في معنى »المجتمع المدني« هو الهم الذي حكم مفكّري القرن الثامن عشر، ومن ثم هيغل وماركس في النصف الأوّل للقرن التاسع عشر، فقد أدى البحث إلى تلاشيه حينما حدّد ماركس المعنى الذي كان يُقصد به بتعبير جديد هو البنية التحتية. لكن غرامشي أعاد استخدامه منهجياً للتعبير عن التكوين المجتمعي في سياق بلورته تصوراً للتغيير، ما لبث أن اختفى عبر العودة إلى مفاهيم ماركس الأساسية، أي البنية التحتية، والنقابات، والصراع الطبقي. منذ ثمانينيات القرن العشرين طغى الاستخدام الأيديولوجي، حيث أصبح يُقصد بهالتعبير عن صراع المجتمع ضد الدولة، وارتبط بالسعي لإسقاط النظم الاشتراكية، والانكفاء إلى الرأسمالية.
* * *
في الوطن العربي كانت المقاربة الأولى لمفهوم المجتمع المدني ماركسية، بعد أن اصبح للمفهوم جاذبية على ضوء الهيمنة التي حظي بها في أوروبا. فقد انطلقت هذه المقاربة من العودة إلى غرامشي، هذه العودة التي كانت تمثّل سعياً للتخلّص من الماركسية السوفياتية، والانفتاح على ماركسيات أخرى، لكنها تداخلت مع تناول بحثه في مفهوم »المجتمع المدني«(3).
ولأن مفهوم غرامشي – في جانب منه – لا يتطابق مع واقعنا، فقد انتشر المفهوم الذي ساد في العالم انطلاقاً من حالة أوروبا الشرقية (أو من حالة مواجهة الاشتراكية)، خصوصاً أن تشابهاً كبيراً جمع بين واقعنا وواقع أوروبا الشرقية (السلطة الشمو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عفوية الجماهير و دور الحركة الثورية في الوطن العربي

كتبها mohamed elhanafi ، في 6 أكتوبر 2009 الساعة: 07:00 ص

 

عفوية الجماهير و دور الحركة الثورية في الوطن العربي
 
سلامة كيلة


salamehkaileh@hotmail.com
 


مدخل

أودّ أن أوضّح أن الموضوعات التي يتناولها هذا الكتاب تخصّ ظروف ثمانينات القرن العشرين في الوطن العربي، سواء من حيث الأحداث أو الأرقام، لكن المسألة الأساسية التي يؤكّد عليها مسألة راهنة. و هي أن الطبقات الشعبية ليس قدراً لها أن تكون ساكنة، بل أنها في لحظات تتحرّك و تنفجر. و الصراع المثمر هو ذاك الذي يربط هذه الحركة و هذا الإنفجار في صيرورة سياسية يكون للحركة الثورية دوراً فعلياً فيها. هذا هو نمط الصراع الطبقي، الذي يقود إلى إنتصار.



مقدمة



1/
سلسلة من الإنتفاضات شهدها الوطن العربي، خلال العقد الماضي، و تحرّكات جماهيرية واسعة هزت أركانه*، وإذا كنا لن نشير هنا إلى الإضرابات، و التحرّكات الإحتجاجية المختلفة، والمتصاعدة التي حدثت في معظم «الدول» العربية، وخصوصاً الإضرابات العمالية في مصر، التي إتخذت منحىً مهماً، وبلورت نضالاً جماهيرياً حقيقياً، فلأننا نركز على الإنتفاضات الكبيرة التي حدثت في خمس «دول» عربية، والتي تشير إلى أنها فاتحة مرحلة جديدة، وتنذر بالانتقال إلى «دول» أخرى، نتيجة تحوّل الوطن العربي إلى منطقة خاضعة للسيطرة الإمبريالية، وتابعة في إطار النظام الإمبريالي العالمي. وبالتالي نتيجة سيادة نمط الرأسمالية التابعة في معظم أرجائه، هذه الرأسمالية التي تعمق من السحق الطبقي، وتؤدي إلى حالة الإفقار المطلق لجماهير واسعة من السكان، لا يكون من خيار أمامها سوى الإنتفاضة. إن سيادة الرأسمالية التابعة أوجدت تشابهاً واسعاً في الظروف الاقتصادية الاجتماعية العربية، جعل أوضاع الجماهير العربية موحّدة إلى حدٍّ بعيد (هذا دون تناسي الفروقات الجزئية، التي كانت، والتي سوف تبقى دائماً، ما دام المجتمع لم يصل إلى مرحلة متقدمة من التطور). وأدت هذه الوحدة إلى أن تصبح الإنتفاضة الشعبية خياراً لكل الجماهير العربية، طريقاً للتعبير عن رفض لمنطق الإستغلال الطبقي السائد، ودعوة من أجل التغيير، التغيير الثوري، الذي ينهي الاستغلال الطبقي، ويسمح للجماهير العربية أن تعيش بكرامة، وأن تتمتع ببعض خيرات هذا الوطن الكثيرة والمتنوعة.

وإذا كانت أنماط مختلفة. على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي،د سادت في مرحلة معينة، بدت متناقضة، وأوجدت خصوصيات، بن هذه «الدولة» أو تلك، وخصوصاً حينما سيطر نمط رأسمالية الدولة في عدد من الأقطار المهمة، فإن تطورات السنوات العشرين الماضية، أدت إلى أن يسود نمط موحَّد، مادامت السيطرة الإمبريالية الأميركية، قد فرضت نفسها، ومادام الوطن العربي، قد أصبح جزءاً تابعاً في إطار النظام الإمبريالي العالمي. ولهذا نلاحظ تشابه المشكلات الاقتصادية في معظم الدول العربية (العجز في الميزان التجاري، العجز في ميزانية الدولة، التطور المحدود للدخل المحلي مع التطور الكبير لعدد السكان، الزيادة المحدودة للأجور مع الزيادة الكبيرة لأسعار السلع والخدمات، انهيار العملة المحلية وتحوّل الدولار إلى مقياس لأسعار السلع والخدمات، السوق السوداء للعملة، تراكم الديون الخارجية،…). وبالتالي تشابه الأسباب التي تفرض الانتفاضات الشعبية (ارتفاع أسعار الخبز تحديداً، لهذا سميت هذه الانتفاضات انتفاضات الخبز، أو السميد…).

إن سيطرة الرأسمالية التابعة، وتوطد السيطرة الإمبريالية الأميركية (وبالتالي حالة النهب الاقتصادي التي تمارسها، فرض حدوث ثلاث انتفاضات كبيرة في مصر، وثلاث في السودان، و إثنتين في المغرب، وواحدة في الجزائر، لكن يشير إلى انتفاضات قادمة في هذه البلدان، وبلدان أخرى دخلت الدوامة نفسها (الأردن…)(*). لقد بدأت الانتفاضات ف مصر في 18/19 يناير عام 1977، ثم في 26 يناير عام 1978 في تونس، ثم عام 1979 في السودان و1981 في المغرب، ثم عام 1983 في السودان ثم في يناير عام 1984 في تونس والمغرب، ثم في مصر، ثم في آذار/ نيسان عام 1985 في السودان، ثم عام 1986 في مصر، ثم في أيلول عام 1988 في الجزائر، ولاشك أن الأمور تنذر بانتفاضات في السودان ومصر تحديداً.

2/
ولاشك أن هذه الحادثة تشير إلى عمق الأزمات التي تعيشها الجماهير العربية هذه الأزمات التي دفعت كتلاً واسعة من الطبقات الفقيرة لأن تعبِّر عن غضبة، أوجدتها ظروف معاشية غدت تعيشها، ظروف تجعلها تسقط عن كاهلها كل الخوف الذي انزرع فيها، الخوف من الأنظمة، من أجهزة القمع، من الدول، والذي تكرس في وعيها بشكل تلقائي، وأخذته كموروث يركن له، إنها تسقط في لحظة شعور بالضعف، في مواجهة جبروت أنظمة، خصوصاً وهي تعيش في قوقعة الفردية المفرطة، بقوة الجماهير، وهنا يغدو مفهوم الجماهير، ليس كجمع عددي، بل ككتلة متراصّة، موحّدة، تعيش ظروفاً واحدة، وتواجه إشكالات موحّدة، وبالتالي ترى أنها أقوى من مضطهديها. إنه يقابل قوة وجبروت الأنظمة، بقوته هو كفرد، إنه يقابلها بضعفه بالتالي، لذا يلوذ بالصمت، يقبل كل الأفكار التي تبثها أيديولوجيات مختلفة، سواء الأيديولوجيا السائدة التي تمتلك حدّ إخضاع الجماهير، وتكييف وعيها، لكي تقبل الاضطهاد والاستغلال والقمع كقدر حتمي، كحتمية لا مفرّ منها، كسنّة إلهية، أو سواء المفاهيم الانهزامية والإصلاحية، والانتهازية التي تنبثق من داخل صفوف الجماهير، والتي تهدف إلى إعلان التوبة، أو ترفع راية الاستسلام، وتعود لتعلن قبولها الاضطهاد والاستغلال والقمع كقدر حتمي، من أجل أن تربح فئة قليلة، بما تلقيه عليها من فتات، الطبقة المستغلة ـ الحاكمة.

إن «فردية» الإنسان تجعله يهجر السياسية كنشاط عملي، ويقبل بكل أشكال السلطة، التي تفرضها الطبقة المستغلة ـ الحاكمة، وينفذ كل سياساتها. الفردية هنا سلبية انهزامية، وبالتالي مناقضة لمصلحة الفرد، إنها صيغة التكيف مع منطق الاستغلال السائد، ومع الوعي السائد، المعبَّر عنه في أيديولوجيا الطبقة السائدة. هنا تتبلور ثنائية فرد ـ سلطة (التي تعني الجبروت، القوّة، القمع، السحق، الاضطهاد، الجيش، الشرطة، المخابرات…). وفي هذه الثنائية، يتبلور مطمح الفرد في القدرة على العيش، أي على إعادة تجديد ذاته (بما فيه التوالد، وتربية أطفاله). وعلى إيجاد السبل «الشرعية» لتحسين هذه الوضعية، التي قد تعني التملّق، أو السرقة، أو الانتهازية، ولما كانت هذه الصفات لا تفتح الآفاق نحو تحسين الظروف المعاشية، أو حتى نحو الانتقال الطبقي، سوى لفئة محدودة، من كتلة كبيرة من الجماهير، فإن وعي الأغلبية، يتحدد في إعادة تجديد الذات فقط.

لذا تغيب السياسة، الممارسة السياسية، تنحصر في أقلية محدودة تسمى الأحزاب، أو المثقفين، وتختفي المعارضة، لتنحصر في بعض الأحزاب والمثقفين، ويتحول الفرد إلى آلة، إلى شيء، يتوه في دوّامة العمل المضني، من أجل تحصيل قُوْته، وتوفير مستلزمات إعادة إنتاج ذاته، كفرد وكأسرة، يقوم على إعالتها، من أجل أن تنتج عبيداً جدداً، يؤمَّنون استمرارية الاستغلال الطبقي. وبهذا تفر السلطة سطوتها، وتزيد من قوّتها وجبروتها، لتصبح القوة الحاسمة، الثابتة، السرمدية، المطلقة، حسب وعي الجماهير الشعبية، التي تبدو، في المقابل، خارج إطار الصراع الاجتماعي الواقعي، لا مبالية، سلبية، يائسة وصامتة.

في هذا الإطار يمارس الاستغلال، وتمارس السلطة كل قسوتها، وتظهر كل قوتها، ويجري نهب الجماهير العشبية، استغلالها، من أجل أن تراكم قلَّة ثروة هائلة، ومن أجل أن تنهب الشركات الاحتكارية الإمبريالية و الأميركية تحديداً، وأن تصبح قوّة استغلال محلية.

لكن تعمق النهب، الذي يوضِّح الانقسام الطبقي، ويظهر الفروقات بين الطبقة المستغِلة الناهبة، والطبقات المستغِلة، المضطَهدة، يسهم في مفاقمة الصراع الطبقي، حيث تأخذ الطبقات المستغَلة المضطهَدة في التعبير عن موقفها ـ بشكل هامش محدود في البدء، لكن مع مراكمة حقد داخلي هائل. إن الشعور بالاستغلال الطبقي، يتطور تدريجياً، لكن في وجهة واحدة، هي وجهة الظرف المعاشي. بمعنى أن شعور الفرد بالعجز عن إمكانية إعادة تجديد ذاته، هو الذي يطغى، حيث يتمركز الاهتمام في الحفاظ على الحدِّ الأدنى الذي يسمح بالعيش.

إن الشعور بالعجز عن إمكانية إعادة تجديد الذات، الناتج عن سياسات النهب التي تسيطر في المجتمع، هي التي تجعل الشعور بالاستغلال الطبقي، ينتقل «فجأة» من كونه شعوراً سلبياً إلى كونه شعوراً ايجابياً تماماً. إن التطور المحدود في الأجور، الذي يبقي العامل في أقصى درجات لرب العمل، من جهة، والارتفاع الهائل في أسعار السلع والخدمات، التي تستفيد منها الطبقة المستغِلة الحاكمة من جهة أخرى، يجعل قدرة الفرد على العيش صعبة، ومن ثم مستحيلة، وإذا كان تدني الأجور يشعر الفرد بالاضطهاد الطبقي، فإن الشعور بالعجز عن إعادة تجديد الذات، يدفعه إلى الانفجار، إلى أن يعلن موقفه، بالفعل لا بالكلمات ـ وهي عادة المثقفين ـ من خلال أشكال عديدة،منها الإضراب والاحتجاج، لكن الظاهرة البارزة التي أخذ الوطن العربي يعيشها هي الانتفاضة، الانفجار الجماهيري الكبير، العفوي، المحدود المطالب، العنيف والانفعالي، هنا يكون الفعل انفعالياً، لا واعياً، لحظياً وبالتالي لا يؤدي إلى نتيجة واضحة، وإن كان يؤشر إلى مدى الأزمة التي غدا يعيشها الفرد، هذه الأزمة التي تحوّل وعي الفردي، «فرديته» إلى وعي جمعي، لكنه وعي جمعي مؤقت، سرعان ما يسقط حالما تنتهي شحنات الغضب، أو حالما تتراجع السلطة عن قرار، كان هو السبب المباشر لحالة الانفجار هذه، ولاشك أن رفع أسعار الخبز أو السميد، إضافة إلى سلع أخرى، هو سبب كل الانفجارات التي حدثت، لأن فئات واسعة من الجماهير، تعيش على الخبز كمادة أساسية، لأن دخلها لا يسمح لها إلاّ بالتخلي عن سلع ضرورية مختلفة، إضافة إلى تخليها عن السلع الكمالية.

إن محدودية دخل الفرد، والارتفاع الهائل في أسعار السلع والخدمات، يقلِّص مطالب الفرد إلى الحدِّ الأدنى الضروري للعيش، فيصبح الخبز، السكر، الأرز، الشاي، هو كل ما يستطيع الفرد شراءه، وتستهلك هذه المواد (إضافة إلى ضروريات أخرى، مثل السكن، الكهرباء، المواصلات…) كل الدخل، والتالي يتوزع الدخل الشهري بما يكفي شراءها، وحينما ترتفع أسعارها، يحدث اختلال يدفع الفرد إلى الشعور بأنه عاجز عن تجديد ذاته، لهذا نراه يسقط كل الخوف الذي تملّكه، وينسى كل القيم والأفكار التي ترسّخت لديه، حول السلطة، والطاعة، والخضوع، لأنه غدا في وضع يقارب من الموت، وأمام الموت يسقط الخوف، ولا تعود هناك حاجة إلى الخنوع والخضوع، والابتعاد عن النشاط الاجتماعي. هذه اللحظة تؤسس لحالة من الوعي الجمعي المؤقت، الذي يدفع (الفرد ـ المجموع) للتعبير عن احتجاجها.

لكن لابُدّ من ملاحظة أن هذه الممارسة، لا تقود إلى تأسيس وعي جمعي شامل، بل تبقى الصفة اللحظية هذه هي السائدة. ولا تقود إلى تأسيس وعي جمعي بالمعنى السياسي للكلمة، لأن الوعي الجمعي يتقوّم في مسألة أساسية واحدة، هي مسألة الدفاع عن الذات، والسعي من أجل توفير الظرف الذي يسمح بإعادة تجديدها. وبالتالي، وإن كانت الجماهير تمارس نشاطاً سياسياً حينما تنتفض، فإنها تحافظ على مبدأ العزوف عن السياسة، أي أنها تحافظ على مسألة ابتعادها عن ربط الجزئي بالكلي، أي ربطها الحالة التي تُدفع لها، نتيجة الاستغلال الطبقي، بنشاط الطبقة المستغِلة الحاكمة، ولذلك يبقى الخوف مسيطراً عليها، لكنها في المقابل تعيش حالة من الأمل ـ الحلم، بظهور مخلِّص يسقط السلطة، ويحقق المساواة، إن عجز الجماهير عن تحقيق التغيير، في كل مرَّة تخوض فيها حرباً طبقية صريحة، يجعلها تنتظر مخلِّصاً، ينقذها من كابوس الاستغلال القائم، ولاشك أن خوفها من الممارسة السياسية، وشعورها بالحاجة إلى تحسين ظروفها يدفعانها إلى الركض وراء حلم، يقوم على أساس انتظار مخلِّص ما، وهي هنا تنتظر التغيير من قوّة أخرى، هي خارجها، وهنا هي لا تصل إلى فكرة أن صراع الطبقات هو الذي يفرض التغيير، لكن هذه المسألة تفتح الآفاق أمام فئات طامحة، سواء من داخل الطبقة، المستغِلة ـ الحاكمة ذاتها، أو من الفئات الوسطى، لكي تستفيد من هذا الحلم لتفرض استغلالها هي، وسلطتها هي، وبهذا تدخل الجماهير في دوامة الانتظار، وتُستَهْلَك عن طريق تأييد فئة مستغلة ضد أخرى، على أمل أن تحقق لها بعض العدل، لكنها تكتشف أن الفئة الجديدة أكثر استغلالاً من سابقتها، فتؤيد فئة أخرى وهكذا.

هذه الدوامة تعبِّر عن إشكالية، هي إشكالية تحوّل العمل العفوي، إلى عمل منظم، والنشاط الجزئي إلى نشاط شمولي، والتصور الاقتصادي إلى تصور سياسي، ولاشك أن نشاط الجماهير يحقق نقلات في هذا الاتجاه، يخلق تراكماً ما، لكن الأهم يهيئ أرضيّة مناسبة لهذا الانتقال من العفوي إلى المنظّم، ومن الجزئي الشمولي، ومن التصور الاقتصادي إلى التصور السياسي، من الوعي الزائف إلى الوعي المطابق، لكن فقط من خلال الدور الذي يمكن، ويجب، أن تلعبه حركة سياسية قادرة على تحقيق ذلك، وهذا ما سوف نشير إليه لاحقاً.

إذن، ليس صدفة أن تحدث حالة الإفقار المطلق التي تعيشها الجماهير، لأن أساسها يكمن في الاستغلال الطبقي، الذي يجعل جماهير واسعة تعيش في حالة الكاف، وبالتالي يأتي حدث «بسيط»، و«عرضي» لكي يقلب أحوالها، ينقلها من الحياة إلى الموت. وهو أيضاً ليس حدثاً بسيطاً وعرضياً في كل الأحوال، بل أنه نتيجة لجشع الاستغلال، هذا الجشع الذي يدفع إلى تحقيق زيادة مضطردة في الأسعار، في الوقت الذي يفرض تثبيت الأجور، فيأتي قرار رفع الدعم عن السلع الأساسية، هذا القرار المبرر بعجز ميزانية الدولة، وبالتالي عدم قدرتها على دعم السلع الأساسية، لكي يحدث حالة الانتقال النوعي من حالة الكفاف، إلى حالة العجز عن العيش.

من هنا من الضروري أن تنفتح الآفاق أمام تفاقم الصراع الطبقي، بتحويله من حالة رفض جزئية مؤقتة، تنطلق من مناهضة قرار «بسيط»، يتعلق برفع الدعم عن السلع الأساسية، أو برفع أسعارها، إلى صراع ضد الاستغلال الطبقي، الذي ينتج هذه الظاهرة، وتحويله أيضاً من صراع مطلبي جزئي، إلى صراع سياسي شامل.

إن تفاقم الاستغلال الطبقي هو الذي يلغي إمكانية الفرد لأن يكون قادراً على تجديد ذاته، وبالتالي يدفعه لأن يأخذ موقفاً دفاعياً، لكنه موقف يوضح مدى القدرة التي يمكن أن يصنعها (الفرد ـ المجموع). في هذه اللحظة بالذات، في الوقت الذي يتوضح أن الوعي الجزئي بهذه المسألة لا يقود إلى تجاوزها. وبالتالي فإن حالة الإفقار المطلق يجب أن تدفع ليس فقط باتجاه الحفاظ على حالة الكفاف، بل إلى إسقاط حالة الكفاف هذه من أساسها، أي إسقاط الطبقة المستغِلة ـ الحاكمة (وغير الحاكمة). وتأسيس نمط جديد، يهيئ لحياة مستقرة.

3/
لكن ورغم الطابع الجزئي الذي تأخذه الانتفاضة، على صعيد الأهداف، رغم اهتمام الجماهير في مواجهة القرار الجزئي الذي حوّل حياتها إلى جحيم، الذي ألغى طابع الكفاف الذي تتسم به حسانها، وألقى بها في غياهب الموت، أو كاد، رغم ذلك لابُدّ من الإشارة إلى أهميتها، إنها توضح مدى الجرأة التي يمكن لفرد بسيط، مسالم، خانع، أن يحققها في لحظة معينة، وتوضح مدى القوّة التي تكوّنها الجماهير، حينما تتجاوز كونها مجموعة أفراد، إلى كونها كلاً موَّحداً، حينما يسقط الوعي الفردي، لمصلحة وعي جمعي، حينما تذوب الأنا في المجموع (دون أن ننسى أن كل ذلك تحقق بشكل لا واعٍ، ونتيجة الشعور بالعجز عن تجديد الذات).

هنا لا يصبح جبروت السلطة قائماً، لأن موازين القوى الواقعية تختّل، حيث تصبح قوة الجيش والشرطة والمخابرات، هامشية أو محدودة، أمام اندفاع عشرات الآلاف، رغم امتلاكها السلاح، ورغم كون الجماهير عزلاء. ولكن لابدَّ أن نضيف هنا أن الانفجار الجماهير ينعكس على بنية السلطة كلها، سواء على شكل ارتباك، أو تعاطف قطاعات من الجيش والشرطة، ونتيجة انتمائها الطبقي المتداخل مع الانتماءات الطبقية للجماهير.

إنها لنظرة متعالية، تلك التي تتجاهل القوّة التي تكوّنها الجماهير في لحظة ثورتها، لهذا نرى أن في الحركة السياسية اتجاهاَ قوّياً، يسقط من حسابه هذه اللحظة، لحظة تبلور الوعي الجمعي، وانفلات غضبة الجماهير من عقالها، فيرى جبروت السلطة، من خلال «حجم» الحركة السياسية فقط، ولهذا تبدو السلطة أقوى في كل الأحوال، ولهذا تبقى الحركة السياسية عاجزة في كل الأحوال، نتيجة الكم العددي المحدود الذي تمتلكه، وكذلك نتيجة التأثير الفكري الضيِّق. إن مواجهة جبروت السلطة يستلزم قوى أكبر مما تملك، وهذه حقيقة، لكن في الحركة السياسية اتجاه طاغ ينطلق من أن المواجهة لا تكون سوى بضم جماهير واسعة في إطار الحزب، بتوسيع العضوية لتشمل قطاعات واسعة من الجماهير بغض النظر عن المؤهلات التي تسمح لها بذلك.

ولما كانت هذه مسألة مستحيلة، نتيجة أن ظرف الجماهير المشار إليه سابقاً، حيث يؤدي استلاب الفرد، و إنحكامه لحاجته في تجديد ذاته، وبالتالي خوفه من النشاط السياسي، وإن كان يتعاطف مع هذا الاتجاه أو ذاك، يؤدي إلى أن تنتظم قلّة تمتلك حداً من الوعي، وشعوراً بضرورة النضال السياسي، ولهذا يبقى الحزب حزب أقلية في كل الأحوال، وهذا وضعه الطبيعي الذي لا يجوز تناسيه بأي حال من الأحوال. فالحزب يضم العناصر الأكثر وعياً وجرأة وثورية من الجماهير، وهو «هيئة أركان الثورة». ولا يمكنه أن يكون غير ذلك، إلا إذا كان حزباً برجوازياً في إطار نظام ليبرالي، حيث يمكنه من خلال العمل العلني، ووسائل الإعلام واسعة الانتشار أن يقولب قطاعات جماهيرية، وفق رؤيته، لكي تكون سنده الانتخابي. أما في وطن يعيش القهر والتسلط، والاستبداد، فإن للحزب مهمة ثورية، لا تتحقق إلا في إطار عمل سرّي، وهو هذا لا يمكنه أن يكون حزباً جماهيرياً، بل هو حزب أقلية منظمة، لها نفوذها الجماهيري بالقدر الذي ترتبط بطبقة، ارتباطاً حقيقياً، وتعبّر عن مصالحها و مطامحها، وبالتالي تنبذ التهويمات النظرية، والأحاديث العمومية، لتعالج مشكلات محددة.

ولاشك أن انعزال الحركة السياسية، نتيجة رؤيتها الخاطئة، ونتيجة شعورها بانفصام العلاقة بينها وبين الجماهير، نتيجة «حلمها» الوهمي، وشعورها أنها أقلية في مواجهة جبروت السلطة، أسس فيها المنطق الإصلاحي، هذا المنطق الذي يدفع الحركة السياسية إلى التفكير، مادامت صغيرة العدد، قليلة التأثير، وغير قادرة على التحوّل إلى حركة جماهيرية، بالمساومة مع السلطة، والسعي لإيجاد قواسم مشتركة، تتيح لها التواجد، في «الرقعة السياسية» التي تسمح بها السلطة، وأن تلعب دور المراقب، أو الحكم، أو المرشد، حيث تعمل على «عقلنة» الحركة الجماهيرية، أي تعمل على إفراغها من مضمونها الثوري، وهي إضافة إلى كل ذلك، تقف مع فئة في السلطة وتنتقد الأخرى تراهن على فئة، وتعمل على إقناع الجماهير بصحة هذه المراهنات. إن شعورها أنها تمثّل بنية متميزة (واعية، حديثة)، يجعلها ترى تمايزها من الجماهير (المتخلفة، شبه الإقطاعية، السلفية)، ولهذا ترى في السلطة بنية عقلانية، فتميل نحوها، لكن مع «نقدها»، وتلعب دور تطويع الحركة الجماهيرية لسيطرتها.

والحركة السياسية هنا، تبدو خارج إطار الصراع الطبقي الفعلي، بل تصبح جزءاً من تعارضات الطبقة المستغلة ـ الحاكمة، إنها تنفصل عن الجماهير، وتقترب من الطبقة المستغلة ـ الحاكمة، على ضوء تقييمات شكلية، وتصورات انتقائية متعالية، إنها تنتمي شكلاً للطبقات المسحوقة. لكنها تنظر بتعالٍ إليها، وبالتالي فهي لا تعرف من الانتماء لها سوى الكلمات، بينما هي تراهاغير جديرة بالعمل، وغير أهل لتغيير ثوري. أما مصالح الطبقات المسحوقة، العمال والفلاحين الفقراء، وجمهرة واسعة من البرجوازية، الصغيرة، فينحدر وضعها كلما تعمق الاستغلال وتوطدت التبعية، فلا حلَّ لها إلا باقتناع الطبقة المستغلة ـ الحاكمة، بحسن نيّتها، و«أخلاقها» العالية، أو أن حلّها مرتبط بالدور «الثوري» الذي تلعبه الحركة السياسية، من خلال نصائحها،و مناشداتها، ومقترحاتها، وانتقاداتها، الموجهة كلها للطبقة المستغلة ـ الحاكمة، من أجل أن تبدي حُسْن نيّتها، وتقدم ما تجود به من أجل تحسين أوضاع الفقراء.

أما الجماهير فإما خانعة، مستسلمة، وتكدّ من أجل توفير وسيلة عيشها، وإعادة إنتاج ذاتها، وهي بذلك بعيدة عن الهمَّ السياسي، وغير معنية بمعارضة السلطة «الطبقة المستغلة ـ الحاكمة)، وإن كمدت غيظها، وهي تُستغل وتُنهب، وبالتالي تبدو كجمع مهمّش، يعيش خارج الواقع، وهذه الحالة الغالبة، والتي تلازمها سنوات، أو تتفجر في انتفاضة صاخبة، تهزّ عروشاً، وتسقط أنظمة، إنها تتراوح بين اللاشيء (أو الشيء) وكل شيء، بين الحياة الهامشية في المجال السياسي، وبين امتلاك زمام الأمور في لحظة صاخبة وهذه النقلة من السكون إلى الحركة، من الجمود إلى النشاط، هي القوّة القادرة على هزيمة جبروت السلطة، و تهميش قواها.

وبالتالي فإن هذه النقلة من السكون إلى الحركة، من الجمود إلى النشاط، تهيئ الظروف لتحقيق تغيير ثوري، لإسقاط الطبقة المستغلة ـ الحاكمة، لتصفية سياساتها، من أجل تأسيس بنية جديدة. لكن ذلك مرتبط، ليس بعفوية الجماهير فقط، لأن الجماهير تعرف كيف تنفجر، لكنها لا تعرف إلى أين توجه انفجارها، وتعرف كيف تغضب، لكنها لا تعرف من أجل ماذا بالضبط، وتعرف كيف تهز عروشاً وتسقط أنظمة، لكنها لا تعرف أي الأنظمة تقيم إن لحظة الانفجار، المبنية على اندفاعة عفوية، يفرضها الشعور بالعجز عن تجديد الذات، والتي تحدث زلزالاً هائلاً، يمكنها أن تنهي رئيساً، وسلطة فئة مستغلة، لكنها لا تحقق سلطة الجماهير الشعبية، سلطة العمال والفلاحين الفقراء، لأن وعي الجماهير، وأشكال تنظيمها لا تسمح بذلك، وبالتالي نعود هنا إلى دور الحركة السياسية المعبِّرة عن العمال والفلاحين الفقراء تحديداً، فما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه من أجل تحقيق ذلك؟

لابدّ من أن نشير هنا إلى أن الحاجة إلى حزب ما، تفرضه ظروف واقعية والحزب الذي يعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء، هو حاجة بسبب من إشكالية الحركة الجماهيرية التي حاولنها توصيفها سابقاً، وبالتالي فإن مهمته تتقوّم بالضبط في كيف يدخل الوعي العلمي المطابق لملحة هؤلاء، كيف يهزم الوعي الزائف فيهم، من أجل أن يعوا مصالحهم الشمولية، هذا أولاً، وثانياً كيف يمثّل لولب الحركة الجماهيرية، كيف يكون عمودها الفقري، هيئة أركانها، وكيف يطور أشكال تنظيمها، أما الحركة الجماهيرية فإنها قادرة في لحظة على أن تسقط كل البنى الفوقية، إن جبروتها أقوى من جبروت أية سلطة حاكمة, وهذا ما توضحه الانتفاضات التي حدثت في الوطن العربي، لقد أظهرت في لحظات هزال الأنظمة، وضعف الطبقة المستغلة الحاكمة، وعجزها عن الاستمرار في السيطرة.

4/
لقد حدثت الانتفاضات، فأظهرت عمق الأزمة التي تعيشها الجماهير، كما أظهرت القوّة التي تكونها حينما تفلت من «محاذيرها» ومن خوفها، فتخوض معمعان النضال الثوري. لكن كل هذه الانتفاضات لم تنتصر، سواء لأنها لم تؤد إلى سقوط الأنظمة، أو لأنها أسقطت فئة مستغِلة ونصرت فئة مستغِلة أخرى (مثال السودان)(*)، دون أن تحقق التغيير الذي يلغي أسباب شقائها.

هذه النتيجة هي التي من الضروري أن نتوقف عندها، أن نناقشها وأن نحدد أسبابها من أجل أن نستطيع مَدّ الحركة الجماهيرية بالأسس التي تجعلها تنتصر، ولكن لا يتحقق ذلك إلا بتوفر عاملين هما:

أولاً: أن يحسم الثوريون قضية ارتباطهم الطبقي، أن لا يبقوا معلقين في الهواء، وأن يقطعوا المراهنة على فئات مستغِلة، ومستغلة ـ حاكمة. أن يعلنوا ارتباطهم العضوي بالعمال والفلاحين الفقراء.

ثانياً: أن تجري دراسة الحركة الجماهيرية، كما هي في الواقع، لا كما تصورها الكتب، أو تخترعها «عبقريات» «المثقفين». إن الواقع هو الذي يطرح إشكالاته. وهو الذي يحدد مسيرة التاريخ.

طريق الانتفاضة:

إذن الانتفاضة ضرورة، لأن الظروف الواقعية تجعلها كذلك. إن تفاقم حالة الإفقار نتيجة السياسة الطبقية التي تمارس في ظل سيادة نظام التبعية، وبالتالي لا مناص من حدوث الانتفاضة، ولهذا من الضروري فهم تطور النشاط الجماهيري، وتلمّس الآفاق التي يمكن أن يصل إليها.

وإذا كان تعمّق التبعية، وتكريس سيطرة البرجوازية التابعة، يفرضان الانتفاضات، فلابد من ملاحظة أن لا أفقي واضحاً لها، فهي انتفاضات عفوية، تعبّر عن شعور بالرفض في لحظة معينة. وإذا كانت استفادت فئات من الطبقة المستغلة، من هذه النقمة العامة، من أجل إجراء تحويل شكلي يهدم فئة مستغِلة، بالضد من فئة مستغِلة أخرى، فإن الخروج من هذه الدوامة، وإزالة الاضطهاد الذي تعيشه الجماهير، يفرض إدخال عوامل جديدة. إن السمات التي تسم هذه الانتفاضات، كما أوضحنا سابقاً، هي أنها تنفجر في لحظة محددة عفوياً، دون تنظيم ودون هدف جذري، ثم أنها تعتمد وعي الجماهير، الذي يتأثر بالأيديولوجيا السائدة في الماضي، و الأيديولوجيا السائدة في الحاضر، مما يجعلنا نقول إنها تمتلك وعياً زائفاً لا يعبّر عن مطامحها الحقيقية. وبالتالي لا يسمح لها تأسيس دور عملي جذري، يفضي إلى تحقيق أهدافها.

وهنا تكون العوامل الجديدة، هامة لغاية، لأن من المفترض أن تسهم في تأسيس حالة الانتقال النوعي، من الوعي الزائف إلى الوعي المطابق، ومن العفوية إلى التنظيم. ونحن نتكلم هنا على الحزب السياسي القادر على تحقيق هذه النقلة النوعية ـ الحزب القادر على تنظيم الطبقة العاملة، والفلاحين الفقراء، وعلى تشكيل أوسع جبهة طبقية، من أجل تعميق الحركة الجماهيرية، وتحويل الانتفاضات إلى انفجار ينهي الاستغلال، ويعيد بناء المجتمع من جديد، كيف، هذا ما يحتاج إلى إجابة.





























































1

التبعية وأزمة المجتمع العربي



إذا كانت السياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد، فإن فهم الأزمات السياسية التي يعيشها الوطن العربي، تفرض البحث في الاقتصاد، لأن كل المظاهر السياسية هي انعكاس لبنية الاقتصاد. وبالتالي فإن فهم الأزمات السياسة يفرض السعي من أجل فهم الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المجتمع العربي.

وإذا كانت البنية الاقتصادية الاجتماعية العربية تتسم بالتخلف والتبعية معاً، فإن المطمح الذي يحدونا هو تحقيق التقدم، الذي يعني «دخول الحضارة الحديثة» التي هي في الجوهر، تأسيس المجتمع الصناعي، هذا الحلم الذي بدأ منذ الاحتكاك بأوروبا الرأسمالية، في نهاية القرن الماضي، والذي كان حلم فئة قليلة، طمحت في أن تؤسس مجتمعاً برجوازياً. لكنه استمر، برغم العثرات والعجز، ليغدو اليوم حلم مجتمع بأسره. لكن الفارق بين الحلم والواقع كبير، إلى الحد الذي جعله أقرب إلى الخيال. وفي هذا الإطار تنمو كل الفذلكات النظرية، ويتقيأ التاريخ كل حثالاته، في صورة مشاريع هرمة. ويتوه الفكر العربي في تصورات، و تنظيرات مذهلة الخفة.

والمشكلة مركبة، لأنها تتعلق بالتخلف البنيوي، القائم في أساس بنية المجتمع العربي، بل وبالتبعية التي يفرضها التخلف من جهة، وجبروت الاستعمار ثم الإمبريالية، هذا الجبروت الذي فرض نفسه على كل المجتمعات المتخلفة، فأصبح عامل تأثير أساسي، رغم كونه عاملاً خارجياً. لكن التخلف الاقتصادي الاجتماعي، ونشوء فئات محلية ذات عوى «غربي»، تطمح لأن تصبح جزءاً من النظام الإمبريالي العالمي، حتى ولو كان جزءاً تابعاً هزيلاً، وأيضاً العجز عن تحديد الاختيارات الصحيحة في التقدم/ التطور، جعل التأثير الخارجي مهماً إلى هذا الحد. لهذا فالمشكلة هي مشكلة البنية الاقتصادية الاجتماعية الراهنة، ومشكلة الاختيارات التي تسمح بتجاوزها.

فما هي إذن مشكلة التبعية؟ وكيف تكرس التخلف؟ كيف تضع الاقتصاد العربي في أزمة متفاقمة، وبالتالي تنعكس في البنية السياسية كلها؟ إن مظهر التبعية الاقتصادية هو سياسة النهب التي يتبعها الرأسمال المالي الإمبريالي، من خلال الشركات الاحتكارية، في تعامله مع الوطن العربي والتي تؤدي إلى تفاقم حالة الإفقار الجماهيري لكنها تؤدي إلى امتصاص جزء مهم من الدخل القومي، عبر قنوات مختلفة، وهو ما تريده الإمبريالية، لكي تحافظ على مستوى معيشي مرتفع لقلة من الرأسماليين، وعلى مستوى معين من التماسك داخل المجتمع الرأسمالي، في البلد ـ المركز. لكن ولضمان ذلك تكون الإمبريالية معنية، بإعادة تكوين البنية الاقتصادية الاجتماعية كلها، والسعي من أجل أن تظل وثيقة الارتباط بها.

وهنا يطرح التساؤل الآخر. ما هو خيار التطور، الذي يلغي كل ذلك ويؤسس بنية اقتصادية اجتماعية، متمحورة على ذاتها، بمعنى أنها تجعل التراكم الرأسمالي في خدمة المجتمع ذاته، لكي يسهم في تحقيق تطوير في المستوى المعاشي للجماهير العربية؟

1
ـ نهب الاقتصاد وتفاقم التبعية العربية:

إذا كان الدور السياسي (والعسكري) للدول الاستعمارية هو الطاغي، في الوطن العربي، قبل الخمسينات، فقد أصبح الدور الاقتصادي هو الطاغي الآن.

لقد احتل الاستعمار الوطن العربي لسنوات طويلة، ثم سحب بعض قواته العسكرية دون أن ينهي هيمنته السياسية، لكن النضال الوطني العربي استطاع أن يغير من هذه المعادلة، خصوصاً حينما سيطرت قوى وطنية على السلطة في العديد من الدول العربية. لكن الملاحظة الظاهرة اليوم، هي تلك العلاقة الاقتصادية التي غدت تربط بين الوطن العربي بالدول الإمبريالية، وكأن قضية الاستقلال غدت مثار النقاش. ليس لأن الوطن العربي قد احتل وإن كانت قد عادت لتتواجد قوة عسكرية على أرضه، ولكن لأن آلياتحركة الاقتصاد، وسياق نموه، تشيران إلى عمق ارتباطه بالشركات الاحتكارية المتعددة الجنسية، التي أصبحت تتحكم بمسار حركته. وهنا نواجه بمجالين هامين الأول: مسألة البنية الاقتصادية ذاتها، فلقد أخذت حركة الاقتصاد تتجه نحو قطاعات معينة، لا تسهم في تحقيق التقدم والنهوض الاقتصاديين، بل كل ماتوضح أنها تخدم الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسية.لهذا تقلص الاهتمام (وربما يكون التعبير الأدق، هو انعدام الاهتمام) بالزراعة مثلاً، إلى الحد الذي أطلق الحديث عن تحقيق« الأمن الغذائي» لأن الوطن العربي أصبح يستورد كل المنتجات الزراعية من الخارج. وكذلك حصل مع الصناعة، التي افتقدها الوطن العربي منذ البدء، وظلت كل محاولات التصنيع، سوى ما يخدم الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسية، وهنا نعود إلى دوامة ذاتها.

والمجال الثاني هو بالتالي تحصيل للمجال الأول، ويتمثل في اتساع نطاق التجارة، في بعدها الاتحادي، أي تجارة الاستيراد. ولاشك أن هذه تصب مباشرة في خدمة الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسية، لأنها تعني استيراد السلع التي تنتجها هذه الشركات. لهذا نرى مثلاً أن الميزان التجاري للولايات المتحدة، يعاني من العجز، إلا في العلاقة مع الدول العربية، حيث يشهد إنعاشاً دائماً، ويحقق أرباحاً تصل إلى خمسة مليارات دولار (حسب أرقام عام 1986).ولاشك في أن غياب الاهتمام بما أطلق علية «التنمية الاقتصادية» أي تنمية وتطوير البنية الاقتصادية العربية (وأساسها الزراعة والصناعة)،وبالتالي العجز عن التصنيع، والإنتاج الزراعي، يفرض الحاجة إلى الاستيراد. ولكن الاستيراد يحتاج إلى الاستيراد. ولكن الاستيراد يحتاج إلى رأسمال، الذي إذا توافر مؤقتاً ولدى بعض الدول، فلن يتوفر دائماً، الأمر الذي يعني تفاقم مشكلة الاستدانة. هذه المشكلة التي لها قصة أخرى، سوف نشير إليها لاحقاً.

لكن، لماذا لا يجري تطوير البنية الاقتصادية؟

هنا نصطدم بمشكلتين، تهمنا الآن، المشكلة الأولى فيهما، وهي مشكلة السيطرة الاقتصادية الإمبريالية. لهذا قلنا منذ البدء إن الدور الاقتصادي الإمبريالية. رغم أن الاقتصاد هو السبب في السيطرة العسكرية، أو السياسية. إن ما تهدف إليه الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسية وبالتالي الدول الإمبريالية، هو نهب الوطن، على شكل نهب للمواد الأولية فيه، التي هي حاجة مهمة، في عملية إنتاج السلع، سواء المسوقة في الدول الإمبريالية أو المباعة في كل بلدان العالم الأخرى. ويجري النهب هنا من خلال «سطوة القوة»، من جهة، و«حالة التخلف»التي يشهدها الوطن العربي من جهة أخرى مما يجعلها تنهب، وفق أسعار زهيدة في الغالب.كما يتم النهب على شكل نهب لرأس المال المحلي، أي نهب ما يطلق عليه الدخل القومي، من خلال قنوات مختلفة، عديدة، متشعبة، منها استثمار رأس المال، ومنها التجارة، وبيع الأسلحة، و… الخ.

إن «سطوة القوة» و «حالة التخلف» تسمحان بأن يصبح الشركات الاحتكارية، وكل أدواتها في بنية الاقتصاد، كبيراً إلى الحد الذي يجعلها تتحكم بآلية حركة الاقتصاد، (مثل وقف تطوير الصناعة، إهمال الزراعة، تنمية قطاع الخدمات، والتجارة) ويسمح لها بتحويل البنية الاقتصادية المحلية، إلى تابع للبنية الرأسمالية العامة، مما يربط الاقتصاد المحلي بكل تقلبات السوق العالمي. وتحديداً فيما يتعلق بكل الظواهر السلبية فيه، مثل التضخم، ارتفاع أسعار السلع، انخفاض سعر العملة المحلية… الخ

هنا تتبلور التبعية.

والتبعية تعني ارتهان الاقتصاد المحلي، للشركات الاحتكارية والدول الإمبريالية، والذي يغدو دائمة بحاجة للتكيف وفق حاجة تلك الشركات، وهاتيك الدول، مما يفقده صفته الوطنية، ويبعده عن أن يكون اقتصاداً يلبي رغبات الطبقات المحلية، (سوى فئة معينة)، خصوصاً الجماهير الشعبية.

إن الشركات الاحتكارية تسعى من اجل توثيق تبعية الوطن العربي، لكنها تحقق مصالحها، بأقصى ما يكون من القدرة، الأمر الذي يسمح بالقول إن الوطن ينهب.

2
ـ مشكلة ديون خارجية، أم مشكلة اقتصاد؟

ومن يتابع الأحداث الاقتصادية، يلاحظ مدى الاهتمام الذي أصاب مسألة الديون الخارجية للدول المختلفة. وإذا كان الاهتمام في الماضي قد نتج عن حاجة الدول للقروض والمساعدات فإن الاهتمام اليوم ينطلق من الحاجة إلى القروض، ومن العجز عن تسديدها معاً. وبذلك فقد غدت المشكلة مشكلتين. لهذا وجدنا بعض دول أميركا اللاتينية تلجأ إلى أسلوب وقف تسديد فوائد الديون، وتدعو لتشكيل منظمة تضم الدول المدنية. كما وجدنا فيديل كاسترو يطلب منذ مدة، ليس بوقت تسديد الفوائد، بل إلغاء الديون.

ولما كانت مشكلة الديون، قد طالت عدداً من الدول العربية، وأصبحت عبئاً حقيقياً، فقد لجأ بعضها إلى السعي من أجل إعادة جدولة تسديد أقساطها ومطالبه بعض الدول الرأسمالية بتقديم قروض لتسديد أقساطها، وبذلك فقد أخذت هذه المشكلة تكبر، وبدأت خطورتها تظهر للعيان، دون أن تجد الحل الذي يحد من تلك الخطورة، أو على الأقل يحد من الحاجة الدائمة للقروض. وإذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه (وهي على الأرجح مستمرة) فإننا سوف نصل إلى زمن نبيع فيه الوطن بالمزاد، وربما لن يفي بحاجة الدائنين، فنباع نحن عبيداً في عصر التكنولوجيا.

والذي يجعل القضية جادة إلى هذا الحد أن المشكلة تتفاقم، لذلك نقرأ كل عام حصيلة الديون المتراكمة على كل بلد، وتراكم الفوائد المستحقة الدفع، تلك الفوائد التي تزداد نسبتها إلى الدخل المحلي لكل بلد، ازدياداً مضطرداً. فكما قلنا لقد غدت المشكلة مشكلتين:

الأولى: عبء الديون التي تعجز موازنة الدولة، في كل هذه البلدان، عن سداها، لتصبح مجالاً لطلب المزيد من الديون من أجل الإيفاء بالفوائد، وهذه عملية متتالية، يمكنها وحدها أن توجد تراكماً هائلاً للديون، كيف لا والحاجة للاقتراض من صلب بنية الاقتصاد السائد؟ وهذا يعني أن هناك تسارعاً كبيراً في زيادة الديون، لهذا نجد مثلاً أن ديون مصر كانت سنة 1986 تقريباً نحو 40 مليار دولار، وصلت عام 1988 إلى 50 مليار دولار. وهذا يعني أنها قد تصل هذا العام أو العام القادم إلى 70 مليار دولار.

ثم إن الديون وفوائدها قد فرصت تدخل قوى خارجية (الولايات المتحدة، من خلال البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي) في السياسات الاقتصادية المحلية، وفرضها خطوات معينة، تخدم سيطرة الرأسمال الإمبريالي، وتدعم اتساع استيراد السلعة الرأسمالية. وهذا يعني المزيد من التبعية الإمبريالية، وبالتالي تلبية احتياجاتها، فتمعن في نهب الدخل المحلي، ليس من خلال نشاط شركاتها المتعددة الجنسية، فقط، ولا من خلال إغراق أسواقنا بسلعها فحسب، بل ومن خلال فوائد الديون، التي غدت مصدراً جديداً لمراكمة رأس المال لديها.

والمشكلة الثانية: هي مشكلة لحاجة إلى الديون، أي إننا نلمس هنا المشكلة الجوهرية فلماذا نحتاج إلى الاستدانة؟ هذا يرتبط بطبيعة السياسات الاقتصادية المتبعة، التي تهدر الدخل المحلي، دون أن تسعى لإتباع السياسات التي تعيد مراكمته، ومن ثم تزيد من هذه المراكمة. والسبب أن الاقتصاد يختصر إلى تجارة، أي إلى استيراد السلع، وبيعها في السوق المحلي، ومن ثم تصدير الربح إلى البنوك الخارجية. أي إنه ليست هناك دورة رأسمال محلية، بل إن هذه الدورة تمر بالمركز الرأسمالي. أما الصناعة التي هي من أهم مقومات التقدم، والتسريع في مراكمة الدخل القومي، فإن الاهتمام بها مازال هامشياً، وشكلياً في أغلب الأحوال. وأما الزراعة وهي المصدر الوحيد لإطعام شعب ينمو بوتائر سريعة فقد تدمرت، وغدونا نستورد المنتجات الزراعية.

والمشكلة أن المطلوب حل القضية الجوهرية، التي تؤدي إلى الحاجة إلى الاستدانة، أي مشكلة البنية الاقتصادية، الملحقة، التابعة للإمبريالية، والتي لا تنتج سوى الفقر، والمزيد من الفقر. أما قضية الديون فاعتقد أن حلها واضح، وهو إلغاء الديون، ولعلنا في ذلك نعوض عن جزء يسير مما نهب.

3
ـ مشكلة التقدم، مشكلة تطوير الاقتصاد:

إذن باتت مشكلة الاقتصاد، مشكلة ملة، تفرض نفسها كل لحظة، وتستدعي أن تناقش في العلن، وتطرق في التصريحات المختلفة من قبل المعنيين بالاقتصاد، وغير المعنيين به. ولعل التفاقم السريع للمشكلة، بعد انخفاض أسعار النفط، هو الذي أعلى من أهميتها وأولاها هذا الحد من الاهتمام.

لكن المشكلة مطروحة منذ زمن. إنها مشكلة تقدم البلدان المتخلفة، وتطورها. وإذا كان هناك من اهتم بالتطور الشكلي أكثر مما اهتم بتحديد الطريق الذي يسمح بتجاوز فعلي لها، فقد كانت المشكلة تختصر، وأعتقد أنها أصبحت أعقد من أن تحلّها اختيارات شكلية، أو خطوات جزئية. لهذا غدت المشكلة همّاً حقيقاً، لكنها غدت تحتاج إلى الحلول الصحيحة، إلى الاختيارات الممكنة والضرورية، التي تسمح بتجاوزها.

إن بداية المشكلة كانت حينما تقدمت أوروبا الرأسمالية، خلال القرون الخمسة الماضية وتقهقر وضعنا نحن، تخلّفنا، انهارت كل البنية التي أسست الحضارة العربية، وعبّرت عن قمة التطور الحضاري العالمي في ذلك الوقت. ولقد أدَّت هذه العملية إلى أن تستطيع البنية المتقدمة هزيمة البنية المتخلفة، وإلحاقها بها. وبالتالي التحكم في سياق حركتها. ولما كانت الرأسمالية تحتاج إلى المواد الأولية(الزراعية، ثم الطبيعية) وإلى الأسواق من أجل تصريف بضاعتها، حتى الرأسمالي منه، لهذا نمت في الوطن العربي، قطاعات اقتصادية معينة، وهي القطاعات المسماة ـ أو المتعارف على أنها ـ هامشية، في الوقت الذي فشلت
المزيد
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العـولمة آليات إعادة إنتاج النمط الرأسمالي العالمي

كتبها mohamed elhanafi ، في 6 أكتوبر 2009 الساعة: 06:56 ص

 

العـولمة آليات إعادة إنتاج النمط الرأسمالي العالمي
 
سلامة كيلة

salamehkaileh@hotmail.com
 
 (1) منذ نهاية الحرب الأولى بدأ العالم ينقسم، بخروج روسيا من النمط الرأسمالي. لكن الانقسام توسع بعد الحرب الثانية، بخروج أكثر من نصف العالم من النمط الرأسمالي فأصبح العالم عالمان (المسمى ثنائية القطب). يتطوران "مستقلين"، كل منهما عن الآخر، ووفق آليات مختلفة. وكان العداء هو السمة الغالبة في العلاقة بينهما. مما قاد إلى تطور هائل في الصناعات العسكرية. وفي العسكرة، وتشكيل الأحلاف، ولقد فشلت كل مبادرات الاتحاد السوفيتي، منذ بداية الستينات في توحيدهما، في إطار سياسة "التعايش السلمي" وكان لكل منهما آلياته ومشكلاته وأزماته، لكن أزمات الاشتراكية قادت إلى انهيارها، وهنا طرحت مهمة إعادة إنتاج النمط الرأسمالي، على ضوء التطور المتحقق فيه، كما على ضوء أزماته ذاتها ومن أجل حل هذه الأزمات بالتحديد، ولكي يتوافق والتطور المتحقق في المستوى الاقتصادي .
لهذا اندفع النمط الرأسمالي لكي يُخضع الأمم التي انشقت عنه، والتي التحقت به بعد انهيار حركات التحرر، ثم بعد انهيار الاشتراكية، ولكن أيضاً لكي يعيد صياغة "ذاته" .
ان توحيد العالم بعد انهيار الاشتراكية (وقبل ذلك، انهيار حركات التحرر وانفتاح الصين على الولايات المتحدة)، فرضت وضع قواعد أساسية لآليات عمل النمط. وفي هذا الوضع اشتدت المنافسة بين الأمم الرأسمالية، وتهيأت الظروف لنشوء تحالفات جديدة، بهدف السيطرة على مجمل النمط والتحكم بالأسواق. اننا إذن إزاء "تصارع" من أجل إعادة إنتاج النمط الرأسمالي، في إطار السيطرة على العالم.
(2) لكن، ولكي يتوضح معنى إعادة البناء، يجب ملاحظة الوضع القائم. أن المشكلات التي يعانيها النمط (حتى قبل انهيار الاشتراكية) تتمثل في ثلاث (ربما)، أولها: تضخم الرأسمال المصرفي، وتركز كتلة الرأسمال فيه، وبالتالي اختلال العلاقة بين الرأسمال المصرفي والرأسمال الصناعي في إطار الرأسمال المالي، على حساب الإنتاج (أو  لأن الإنتاج أصبح لا يستوعب تضخم الرأسمال) مما  أفضى إلى تحول المضاربة إلى سمة أساسية من سمات النمط، حيث أصبحت تحقق أرباحاً مرتفعة، لكنها قادت إلى أزمات خطيرة (انهيارات في البورصة، إفلاس البنوك..) وثانيها: تصاعد المنافسة التجارية بين الشركات الاحتكارية، الذي اتخذ شكل تنافس بين دول قومية (الولايات المتحدة، اليابان، أوروبا)، ولقد قاد ذلك إلى إفلاس شركات، وتهديد مصير أخرى. وثالثها: "فيض الإنتاج" الذي فرض البحث عن أسواق جديدة. بمعنى ان النمط كان يعيش أزمة، فرضت البحث عن حلول لها، وبالتالي كان انهيار الاشتراكية، والتحاق الدول الاشتراكية السابقة بالرأسمالية، مجالا يفرض حلول لهذه الأزمات، خصوصاً وان انهيارها أزال الكابح الذي كان يقيد إمكانيات الحلول (وهنا نلمس تأثير الاشتراكية العالمي).
إن انقسام العالم إلى "قطبية ثنائية" متكافئة من حيث القوة العسكرية. أسّس لنشوء وضع عالمي محدد، حيث كبح إمكانية "التطور الطبيعي" في إطار النمط الرأسمالي. وفرض سياسات ليست بالضرورة متطابقة ومصلحة الرأسمالية، كما أنه أفضى إلى فرض "أمر واقع"، تمثل في تحقيق تطور صناعي هام في الدول الاشتراكية، عبر استقلالية تطورها، ونهوض اقتصادها وتحديثها، لتصبح (في معظمها) دولاً صناعية حديثة، تمتلك مقدرة على المنافسة في السوق العالمي أو تمتلك مقدرة على تطوير صناعاتها، بما يسمح لها المنافسة في السوق العالمي. وبالتالي فإن التحاقها بالنمط الرأسمالي يفرض توسع المنافسة. كما أن وجود "النمط الاشتراكي العالمي" كان يسهل على الأمم المخلّفة تحقيق التطور الصناعي. سواء عبر الاعتماد على الدول الاشتراكية، أو  اضطرار الدول الرأسمالية (أو  بعضها على الأقل) إلى الإسهام في تصنيع هذه الأمم (كبديل للدول الاشتراكية). أو  أن " التوسع الشيوعي" فرض على الدول الرأسمالية  تطوير بعض المناطق من أجل وقف "المد الشيوعي" وهنا تقع تجربة النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية، تايوان، هونغ كونغ، وربما ماليزيا)، حيث اضطرت (ولسبب سياسي ظاهر ولكنه يخفي سبباً اقتصادياً جوهرياً) إلى الإقرار بضرورة تطورها الصناعي وتحديثها، وأسهمت في ذلك بشكل مباشر عبر الدعم المالي غير المحدد، وعبر الإسهام المباشر في التخطيط، وكذلك عبر إعطاء صناعاتها حيزاً في أسواقها الداخلية (بمعنى ان النمط الرأسمالي ولّد دولاً رأسمالية جديدة).
وعلى ضوء أزمة النمط الرأسمالي، فإن التحاق دول حركات التحرر الوطني أولاً، ثم الدول الاشتراكية ثانياً،يزيد من أزمة النمط، ويفضي إلى الفوضى، لهذا كان من الضروري إعادة صياغة النمط على ضوء "الواقع الجديد"، لكن بما يسهم بحل أزمة النمط ذاته، وهذا يعني رفض أن تتحول الدول الجديدة (الاشتراكية تحديداً) إلى قوة المنافسة، وكذلك إنهاء دور "أطفال الأنابيب" الآسيوية مادام الظرف الذي فرض توحيدها قد انتهى (ولقد بدأت نهاية النمو الآسيوية من اللحظة التي تطورت فيها علاقات الولايات والصين. أي منذ نهاية السبعينات). أما دول حركات التحرر الوطني، التي بدأت بالانهيار منذ بداية السبعينات فقد أخضعت مذّاك لسياسة تفرض تكيفها ومتطلبات حل أزمة النمط الرأسمالي عبر صندوق النقد والبنك الدوليين، حيث يمكن ملاحظة عدد من الخطوات الهادفة إلى ذلك  منها: إلغاء تدخل الدولة في الاقتصاد (وهو ما أضافته هذه الدول)، وفرض السوق الحرة، والخصخصة (وهما السياسة العملية لإلغاء تدخل الدولة، عبر بيع القطاع العام، وضمان استثمارات الرأسمال العالمي في أسواق المال، والتجارة ، وإلغاء دعم السلع، وحقوق العمال ..الخ) وبالتالي وضع قوى الإنتاج في منافسة غير متكافئة والاحتكارات الإمبريالية، وحماية "الدولة الوطنية" لهذا الوضع غير المتكافئ. وهي السياسات ذاتها التي فرضت على الدول الاشتراكية  الملتحقة بالنمط .
(3) أدى التناقض في إطار النمط الرأسمالي، والذي أفضى إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، إلى إعادة ترتيب العلاقة فيما بين المراكز الرأسمالية على أسس جديدة، لا تسمح بانقلاب التنافس الاقتصادي إلى تناقض بينها، وأظن أن هذا هو هدف خطة مارشال التي فرضت على أوروبا. وكذلك إعادة بناء اليابان، بعد الحرب. حيث أدت إلى نشوء علاقات جديدة فيما بين الرأسمال، قللت تدريجياً من "طابعه القومي" . وأعطته سمة رأسمالية أعم. ولقد لعب الرأسمال الأميركي دوراً محورياً في هذه العملية، وأفضى إلى هيمنة على مجمل الرأسمال في إطار النمط الرأسمالي. ترافق ذلك والدور المركزي (القائد) الذي لعبته الولايات المتحدة في إطار النمط الرأسمالي طيلة مرحلة "الحرب الباردة"، حيث غدت القوة العسكرية الأولى، القائد والمحركة لمجمل الدول الرأسمالية. كما كان اقتصادها هو المحرك والقائد لمجمل الاقتصاد الرأسمالي .
لقد تداخل الرأسمال، وتشابك، وأصبح ينشط، ليس في حدود دول قومية، بل في مجمل النمط، ليصبح "عالمياً" بمعنى ما. فأصبحت الشركات الاحتكارية تنشط في مجمل المراكز، وان ظل مركزها في "الوطن الأم". هذه  العملية أسست لنشوء ما أسمي الشركات متعدية (أو  متعددة) الجنسية. وهي عملية موضوعية، وتستند إلى قانون الرأسمالية الأساسي، حيث تفضي المنافسة إلى التمركز (عبر إفلاس الشركات الضعيفة وتضخم الشركات القوية). والتمركز إلى الاحتكار.
إن تشابك (وتداخل) الرأسمال فرض أن تجاوز التمركز ( ومن ثم الاحتكار) حدود الدولة القومية ليجري في إطار مراكز النمط ليندمج الرأسمال "القومي" في رأسمال "قومي" آخر (سواء في الدول المعنية، أو  حتى في دولة أخرى). لتتشكل احتكارات من الرأسمال متعدد القوميات. لكن قوة الاقتصاد الأميركي (هو الاقتصاد الذي استفاد من الحرب الثانية، بعكس اقتصادات الدول الأخرى)، ودور الرساميل الأميركية في إعادة الاعمار، جعلت الرأسمال الأميركي هو المركز الجاذب، ومركز تشكل الاحتكارات، وهذا ما يظهر في غلبه الرأسمال الأميركي في مجمل الشركات متعدية الجنسية (ويمكن دراسة ذلك بالأرقام).
وسنلمس أنه منذ السبعينات بدأت هذه الشركات تتحول إلى قوة مركزية في مجمل الاقتصاد العالمي، وغدت في التسعينات تستحوذ على أكثر من ثلث إنتاج الاقتصاد العالمي.
لقد وضعت، قبل قليل كلمة "عالمي" بين مزدوجين حين أشرت إلى طبيعة الرأسمال المتشكل، ولعل إشارتي إلى طبيعة الرأسمال في الشركات متعدية الجنسية (الذي هو الرأسمال الأميركي) توضح سبب ذلك، حيث أن عملية التمركز لم تتحقق في "شيء ما" عالمي فوق الدول القومية، بل أنها تحققت في الدول الرأسمالية ذاتها، لتصبح هي الشركات الاحتكارية المهيمنة في السوق القومي، كما في السوق العالمي، ولقد ظلت جزءاً من النسيج الاقتصادي "القومي" رغم دورها الاحتكاري العالمي، وهيمنت في الإطار القومي (في الدولة القومية). بمعنى أنها شركات احتكارية "قومية" قبل أن تكون كذلك عالمياً، وهذه العملية أفضت إلى نتيجة جديدة، تمثلت في التأثير الداخلي المتبادل بين المراكز الرأسمالية. الذي يفضي إلى أن يصبح التنافس العالمي، تنافساً داخلياً، وبالتالي – أيضاً- ان لا يؤدي إلى تناقض يقود إلى صراعات على المستوى السياسي (أي يقود إلى حروب). بمعنى ان المراكز الرأسمالية غدت مركزاً واحداً (رغم التنافس، ورغم نشوء الخلافات)، إننا إذن ازاء مركز رأسمالي واحد، توجهه الشركات متعدية الجنسيات، وتنظم العلاقة بين دولة المتعددة .
لكن هل يفضي هذا التطور إلى توحيد الدول، كما توحد الرأسمال؟ اعتقد بأن الجواب هو النفي، وأرى ان السبب الجوهري يتمثل في "اللا تكافؤ" في إطار الرأسمال الموحد (المعبر عنه في الشركات متعدية الجنسية)، حيث أنه خاضع للهيمنة الأميركية، أو  يمكن القول بشكل أدق أنه يخضع، في التحليل الأخير لرأسمال "قومي" محدد، مما يدفع الرأسمال "الأضعف" إلى الاتكاء إلى دولته القومية (هنا إدخال السياسة كعنصر في الاقتصاد). أو  حتى لأن الرأسمال المهيمن يتكئ إلى دولته القومية. (ولقد أشرت سابقا إلى أن هذا الرأسمال هو جزء من النسيج الاقتصادي القومي). ولا شك في ان تجربة الوحدة الأوروبية تعيش هذه المشكلة، حيث ان التنافس قوي حول أي "اقتصاد" هو الذي سيسيطر، أي أيَّ شركات احتكارية (ذات الغلبة القومية) هي التي ستسيطر (والسؤال المطروح منذ زمن هو : أوربة ألمانيا أو  المنة أوروبا).
لكن، أيضا، سنلمس هنا مسائل تتعلق بإمكانية "ذوبان" الطابع القومي، وكذلك "اللا تكافؤ" في السيطرة، في مجمل الاقتصاد في المركز، وردود الفعل الشعبية عليه (مادامت الشعوب تقرر ديمقراطياً هذا المسار أو  ذاك ). والتي تتمرس خلف الشعور القومي. لهذا أشير إلى أن اتحاد الرأسمال في إطار "فوق قومي"، لم يفض (بعد) إلى تهيئة الواقع التاريخي، والسياسي إلى الانتقال إلى مرحلة ما فوق قومية، واعتقد ان طابع الهيمنة في النمط الرأسمالي، لا يسمح بالوصول إلى ذلك، لهذا فإن تشكل مركز واحد في المستوى الاقتصادي، سيبقى مترافقاً، والتعدد في المستوى السياسي (الدول). بمعنى أن الدول القومية الرأسمالية هي "أحزاب" في إطار النمط الرأسمالي وربما تلعب دوراً شبيهاً بدور الأحزاب الرأسمالية في الدولة الرأسمالية لكن مع فارق، هو غياب الدولة "العالمية". لكن يستعاض هنا بهيمنة دولة محددة، وتأسيس "السلطة العالمية" عبر توافقها، المدفوع (والمحدد) من قبل الشركات الاحتكارية متعدية الجنسية، (ولا شك في أن الدور العالمي لها يوضح ذلك، فهي إما تخضع لمشيئة الدولة المهيمنة- الحرب ضد العراق سنة 1991 أو  تأخذ موقف المعارضة السلبية غالباً، أو  توافق على دور تحدده الدولة المهيمنة )، حيث ان كونها العنصر المهيمن في النسيج الاقتصادي "القومي" يجعلها مؤثرة في تكوين السلطة السياسية "القومية" ومحددة لسياساتها. لهذا فإن إعادة صياغة النمط الرأسمالي راهناً، ينطلق، بالأساس، من مصلحة "الرأسمال المدّول". بغض النظر عن التعارضات بين الدول الرأسمالية، القائمة راهنا، أو  التي يمكن أن تنشأ في المستقبل. وهي تعارضات تستند إلى التنافس في إطار الرأسمال "المدول"، أي تنافس الاحتكارات (التي تنتج السلعة ذاتها) للسيطرة على السوق العالمي (وهذا يضيف عنصرا آخر للحفاظ على الدولة القومية.
(4) أشرت  إلى تعمق التمركز في إطار النمط الرأسمالي، واتخاذه طابعاً "عالمياً" (عبر ما أسمي الشركات متعدية -أو  متعددة- الجنسية). لكن هل فقد الرأسمال هنا طابعه القومي؟ ان تحديد ذلك يفترض ملاحظة جملة مسائل فأولاً: سنلاحظ غلبة رأسمال "قومي" محدد في "الرأسمال المدّول". أي في الشركات الاحتكارية متعدية الجنسية (رأسمال أميركي، ياباني، ألماني، فرنس، إنكليزي…)، وثانياً: سنلاحظ ان دائرة الإنتاج الأساسية تتحقق في دولة محددة. ولهذا فإن التنافس بين الشركات المنتجة لذات السلعة (السيارات، الطائرات، الأسلحة. المعلوماتية…) ينعكس إلى تنافس بين الدول التي ينتمي إليها الرأسمال المهيمن، فكما أشرت، أن هذه الشركات جزء من النسيج الاقتصادي في هذه الدول (ويظهر ذلك واضحاً في المبادلات التجارية، واختلافات الميزان التجاري فيما بين الدول – أميركا – اليابان أميركا / أوروبا/ اليابان..) . إن التنافس بين الشركات المنتجة للسيارات في كل من اليابان والولايات المتحدة، وفي كل منهما وفي أوروبا (والذي أفضى إلى تهديد جدي بإفلاس الشركات الأمريكية، وضعضعة الشركات الأوروبية)، ينعكس على العلاقة بين الدول، ويفرض تدخلها(كذلك الأمر فيما يتعلق بصناعات الطائرات_ أميركا/ أوروبا – والسفن، والتكنولوجيا الحديثة. وصناعات الأسلحة ..) . وهو التنافس الذي يسعر الصراع فيما بين هذه الدول للسيطرة على السوق العالمية.
أشير هنا، إلى أن تدويل الرأسمال لا زال مرتبطا بأرضية القومية، وأنه – بالتالي_ لا يستطيع الفكاك منها مادام جزءاً من النسيج الاقتصادي القومي. وأنه – كذلك- يستخدم الدولة القومية كأداة له في علاقات التنافس على المستوى العالمي، إننا إذن إزاء عملية وحدة وصراع، في إطار الشركات الاحتكارية، كما في إطار الدول الرأسمالي، لكن هذه العلاقة الجدلية تنحكم للوحدة، (عكس ما كان سائداً قبل الحرب العالمية الثانية)، وان هذه هي الخطوة المهمة التي حققها النمط الرأسمالي، في العقود الخمسة الأخيرة والتي فرضت نشوء مركز واحد. ربما أميل نحو المجازفة هنا، لكن اعتقد أن دراسة تطور النمط منذ نهاية الحرب الثانية، تؤشر إلى هذه النتيجة، حيث غدت الشركات متعدية الجنسية (وفي إطار علاقة الوحدة والصراع) هي المركز الحقيقي. وهي التي ترسم سياسات الدول الرأسمالية، طبعاً هذا لا يعني أن دور "قيادة العالم" التي تقوم به الولايات المتحدة، هو الشكل الوحيد للتعبير عن توافق السلطة السياسية وسلطة الاحتكارات، فربما يختلف الوضع في المستوى السياسي تحديداً، لتشأ صيغة تعددية، لكنها في كل الأحوال ستخضع لسلطة الاحتكارات، وهنا سينشأ شكل جديد للتعددية – ليس ذلك الذي كان سابقا، لأن الاختلاف سوف"يُضبَط". ولهذا أرى أن فكرة العالم متعدد الأقطاب تبدو وهمية فالمسألة المطروحة هي مسألة الالتحاق بالمركز وفق الصيغة التي يحددها، ولهذا قلت أن التعددية (على فرض تحقيقها، وأشير إلى إمكانية ذلك) لن تعني نشوء عالم متعدد الأقطاب، بل "تنويعات" في إطار المركز ( ولقد شبهت ذلك بالأحزاب في الدول الرأسمالية)، ان حرب "التكسير" بين الدول الرأسمالية قد انتهت.
إن التنافس بين الاحتكارات، سينعكس على الدول، ما دامت الدول هي أداة الاحتكارات، كونها القوة الاقتصادية المهيمنة في إطار النسيج الاقتصادي "القومي. وما دامت الاحتكارات، هي احتكارات فوق قومية أيضاً، فإن "اختراقات" الرأسمال غير القومي، سوف تلعب دوراً في تحديد العلاقات بين الدول، وبالتالي سوف  "تَضْبُط" الاختلافات الناتجة عن التنافس  وعلى أرضية الصراع ضمن الوحدة، سوف تتشكل تحالفات بين الاحتكارات ،على حساب احتكارات أخرى، وبالتالي بين الدول على حساب دول أخرى، وأؤكد ثانية أن هذه العملية التي بدأت للتو، لن تقود إلى انشقا قات في المركز، وبالتالي بين الدول، رغم أنها تفضي إلى تهميش بعض الاحتكارات،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb



 

 


التالي